ملتقى رابطة الواحة الثقافية
Loading...
نرحب بكل حر كريم من أبناء الأمة ينتسب لهذا الصرح الكبير شرط أن يلتزم ضوابط الواحة وأهمها التسجيل باسمه الصريح ***** لن يتم تفعيل أي تسجيل باسم مستعار ولهذا وجب التنويه ***** نوجه عناية الجميع إلى ضرورة الالتزام بعدم نشر أكثر من موضوع واحد في قسم معين يوميا ، وكذلك عدم رفع أكثر من موضوعين لنفس العضو في الصفحة الأولى لأي قسم ***** كما يرجى التفاعل المثمر مع جميع مواضيع الملتقى والتركيز على رقي الطرح وسمو المضامين
أطلب عضويتك اليوم كن بين الكبار وحلق نورسا كلمة د. سمير العمري في انطلاقة الاتحاد حصاد جديد من سنابل الواحة نتائج مسابقة درع الواحة الذهبي للخريف ديوان حب في اليمن عدد جديد من مجلة الواحة الثقافية القطاف الثاني من خمائل الواحة
ملئ العيش [ المشارك : ربيحة الرفاعي - ]       »     قراءة في قصة قرش بقرش للدكتور سمير العمري [ المشارك : ربيحة الرفاعي - ]       »     يا قلبُ قل ... [ المشارك : ربيحة الرفاعي - ]       »     الجنــة الـخـالـــدة .....!!! [ المشارك : نداء غريب صبري - ]       »     مر الأيام [ المشارك : نداء غريب صبري - ]       »    
العودة   ملتقى رابطة الواحة الثقافية > أَكَادِيمِيَّةُ الوَاحَةِ لِلآدَابِ وَعُلومِ اللغَةِ > النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-12-2005, 09:34 PM   #1
معلومات العضو
شاعر
الصورة الرمزية مصطفى بطحيش

افتراضي التناص.. مصطلح نقدي أوجده الشكلانيون الروس!!



التناص في أبسط تعريفاته هو «وجود علاقة بين ملفوظين»، وهو في مفهومه الكلي يتجاوز ذلك ليشمل النص الأدبي في جميع نواحيه فهو: «يحيل إلى مدلولات خطابية مغايرة بشكل يمكن معه قراءة خطابات عديدة داخل القول الشعري، هكذا يتم بعث فضاء نصي متعدد حول المدلول الشعري». وبصورة أوضح نستطيع أن نقول إن التناص هو: «أحد مميزات النص الأساسية التي تحيل على نصوص سابقة عليها أو معاصرة لها». وعلى هذا فإن النص «ليس انعكاسًا لخارجه أو مرآة لقائله، وإنما فاعلية المخزون التذكري لنصوص مختلفة هي التي تشكل حقل التناص ومن ثم فالنص بلا حدود».
ولقد برز هذا المصطلح على يد جوليا كرستيفا، غير أن الولادة الحقيقية كانت على أيدي الشكلانيين الروس ـ وإن لم تكن ولادة خالصة ـ إذ «يرد في ملمح المفارقة بين النص المعارض والنص المعارَض، فليس النص المعارَض إعادة إبداع، أو كتابة على كتابة مماثلة، فلكل نص خصائصه القارّة فيه». وعلى هذا فالشكلانيون يؤمنون بالتناص من خلال تداخل النصوص وظهور أثر بعضها على بعض، رغم احتفاظ كل نص بخصوصيته ومميزاته.
وإذا كان الشكلانيون قد تنبهوا إلى مفهوم هذا المصطلح بشكل مبسط، فإن كرستيفا استطاعت أن تستنبط هذا المصطلح «التناص» من خلال قراءتها لباختين في دراسته لأعمال دستويفيسكي الروائية حيث وضع مصطلحي تعددية الأصوات والحوارية دون أن يستخدم مصطلح التناص. وبذلك تكون الرواية أول الأجناس الأدبية معملاً إجرائيًا لهذا المصطلح دون تسمية، وتكون ـ أيضًا ـ جوليا كرستيفا عام 1966م أول من استخدم هذا المصطلح قاصدة به «أن كل نص هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى». ولقد اعتمدت في ذلك على منهج التحليل النفسي جاعلة منه «خطاب الحياة الفكرية والعقلية ومعتبرة إياه نوعًا من الملازمة الجوهرية في ثقافتنا». ورغم ذلك فإن كرستيفا انصرفت عن مصطلح التناص فيما بعد، وآثرت عليه مصطلحًا آخر هو «التنقلية» ولقد تعددت المفاهيم التناصية وتشعبت المدلولات، غير أن مصطلح التناص ظل حاضرًا عبر جميع الاتجاهات الأدبية الحديثة، وإن تباينت الثيمات الدلالية للمفهوم داخل كل اتجاه مع الاتجاه الآخر محاولة من النقاد في تبين جزيئات هذا المصطلح.
ولا شك أن الأديب لا يمكن أن ينفصل في تكوينه المعرفي عن غيره، بل هو عبارة عن تراكمية معرفية تنمو أغصانها في محيط التلاحم المعرفي المتشابك، ولذلك أصبح الأديب ومن بعده النص الأدبي بناء متعدد القيم والأصوات، تتوارى خلف كل نص ذوات أخرى غير ذات المبدع من دون حدود أو فواصل، ومن ثم فالنص الجديد هو إعادة لنصوص سابقة لا تعرف إلا بالخبرة والتدقيق. ورغم ذلك فإن النقاد يلحون على شريطة التجاوز للنصوص التي تناص معها النص الجديد وإلا أضحى كلامًا معادًا؛ ومن ثم يجب على النص «المتناص أن يتماهى في علاقات غير أحادية السمة مع نصوص أخرى، سواءً كانت علاقة تحويل أو علاقة تقاطع أو تبديل أو اختراق». وهذه العلاقة تنبثق من رغبة أكيدة في التجديد وتجاوز الآخر حتى لو كان الآخر المبدع نفسه؛ لأن المبدع قد يتناص مع نفسه من خلال نصوصه هو، كما يستطيع أن يتناص مع نص واحد فقط لمبدع آخر، أو نصوص أخرى لأدباء آخرين، وقد تكون عملية التناص بين جنسين أدبيين لا على مستوى جنس أدبي واحد. ولا شك ـ كذلك ـ أن التناص يرتكز على مبدأي الشكل والمضمون ولا يقف عند حدود أحدهما، ولكن يؤخذ بعين الاعتبار أن التناص قد يكون شكليًا لا مضمونيًا والعكس صحيح دون تلازم بينهما، ولكنه في النهاية يحدث في الاثنين.

للكاتب : احمد بن سليمان اللهيب



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


مصطفى بطحيش غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2005, 01:27 AM   #2
معلومات العضو
أديب
الصورة الرمزية د. سلطان الحريري

افتراضي



أتعلم يا مصطفى أنني لم أرض استعمال هذا المصطلح فيما كتبت سابقا من دراسات نقدية أو أكاديمية ، مع علمي أننا لابد أن نجاري العصر فيما يستحدث من مصطلحات ، رغم أننا لو بحثنا لوجدنا لها ما يناسبها من مصطلحاتنا النقدية التراثية.
شكرا لك يا مصطفى على هذا الموضوع النقدي القيم..
لك خالص محبتي وتقديري



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


التوقيع

اضغط على الصورة لمشاهدتها بالحجم الطبيعي

د. سلطان الحريري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2005, 08:29 AM   #3
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar

افتراضي



التناص بين الاقتباس والتضمين الوعي واللاشعور


بقلم: مفيد نجم


تتمثل الاشكالية التي يطرحها مفهوم التناص في مسألتين اثنتين تتصلان مع بعضهما البعض اتصالاً وثيقاً, وتتحدد المسألة الأولى بتعدد التعريفات والمفاهيم التي قدمت لهذا المصطلح في مصادره الأولى, والناجمة عن الاختلاف في طبيعة الفهم الذي يمتلكه اصحاب هذه النظرية عن النص.


كما يشير الى ذلك فيليب سولرس, الأمر الذي يجعل من هذه المسألة قضية ترتبط بالحقل المعرفي الذي تشكل فيه هذا المصطلح, في حين ان المسألة الثانية تكمن في تعدد المصطلحات, وغياب الضبط المنهجي المتكامل والواضح لأسباب تتصل بتعدد الاتجاهات والمساهمات النقدية الأخرى كالبنيوية والنفسية وغيرهما حيث ادى كل هذا الى عدم وضوح الحدود الفاصلة والتحديدات التي قدمت للمفاهيم والمقولات والأنماط التي تشكل الأساس الذي قامت عليه نظرية التناص في مدوناتها المختلفة.


واذا كان هذا حال النظرية في مصادرها ومرجعياتها الاولى, فكيف يكون الحال بالنسبة للنقد العربي الذي مازال يعتمد على هذه المصادر والمرجعيات الغربية في تشكيل مفهومه وادواته النقدية والاجرائية, ولعل المشكلة الاساس تتحدد في نقل المصطلح النقدي, وتحديد معناه ودلالاته, اذ يمكن ان نجد للمصطلح او المفهوم اسماء وتعريفات كثيرة تختلف باختلاف المترجم وخلفيته المعرفية وفهمه للمصطلح او المفهوم, وهذا ما نلاحظه في الغالب في الترجمات العربية الاخرى للمناهج النقدية المختلفة.


لقد ظهر مصطلح التناص في عام 1965 على يد جوليا كريستيفيا كما بات معروفا في دراستها عن دويستوفسكي ورابلي, وكان اول من اشار اليه هو شكوفسكي عندما ربط بين فهم العمل الفني وعلاقته بالأعمال الفنية الاخرى استناداً الى الترابطات القائمة فيما بينها, لكن الاصول الاولى تعود الى الناقد الروسي باختين الذي اسس له نظريا في كتابه (شعرية دويستوفسكي) ودعاه بالحوارية, حتى جاءت كريستيفيا وصاغته بشكل متطور وجديد. وقد التقى حول هذا المفهوم فيما بعد عدد من النقاد الغربيين امثال رولان بارت فيليب سولرس وهارولدبلوم واخرين, وكما هو واضح من تاريخ ظهور هذا المصطلح, وشيوع استخدامه في السبعينيات من القرن الماضي فان النقد العربي قياساً على استخدامه للمناهج النقدية الاخرى, كان متأخرا في استخدامه لهذه النظرية, بل ان حجم هذا الاستخدام والتعامل معها مايزال محدوداً وان كثر الاهتمام بها في الآونة الأخيرة.


ان مشكلة التعريف بهذا المصطلح, وتعدد دلالاته ومفاهيمه في النقد العربي والدراسات النقدية, تكمن في ان أغلب الترجمات التي قدمت حتى الان هي ترجمات او تلخيص لدراسات متفرقة لبعض اصحاب هذه النظرية ولاتزال الترجمات المتكاملة لاصول الكتب والأبحاث التي قدمت في اللغات الاوروبية محدودة, ولذلك فان مثل هذه الترجمات لا يمكنها ان تشكل قاعدة معرفية غنية للتعريف بالقضايا والمفاهيم والاشكالات والاتجاهات المختلفة التي اشتمل عليها تاريخ هذا المصطلح, واتخذ صياغاته المتباينة من خلالها, مع العلم ان مؤسسة هذه النظرية قد تراجعت عنها في عام 1984.


لقد طال هذا المصطلح قضايا كثيرة, اساسية منها تاريخية العمل الأدبي, وموقع المؤلف فيه, وانتاجية المعنى او التمعني كما تطرحه كريستيفيا, وكذلك نظرية التلقي, وعلاقة العمل الادبي بالواقع الخارجي اذ فقد العمل الادبي تاريخيته وأضحى عملا تاريخياً لانه اصبح يمثل اعادة انتاج لنص او نصوص سابقة عليه من الثقافة التي ينتمي اليها او الثقافات الاخرى, كما ان دور المؤلف او الاهتمام به قد غاب لان انتاج النص اصبح وفق فهم كريستيفيا هو الذي يموضع الفاعل (الكاتب والقارىء) داخل النص كضياع في الأعماق, اما جماعة (تل ـ كل) الفرنسية فقد اكدت موت الفاعل او تلاشيه باعتباره مصدر الكتابة وفق ما يقوله جان بودري.


ويلغي مفهوم التناص الحدود بين الأدب والفنون الاخرى, ويجعلها مفتوحة على بعضها البعض, كما ان التناص ينقسم الى نوعين اساسيين هما التناص الظاهر, ويدخل ضمنه الاقتباس والتضمين, ويسمى ايضا الاقتباس الواعي او الشعوري لان المؤلف يكون واعيا به, في حين ان التناص الثاني هو التناص اللاشعوري, او تناص الخفاء, وفيه يكون المؤلف غير واع بحضور النص او النصوص الاخرى في نصه الذي يكتبه, ويقوم هذا التناص في استراتيجيته على الامتصاص والتذويب والتحويل والتفاعل النصي. والحقيقة ان هناك نوعين اخرين من التناص هما التناص الداخلي المتمثل في اعادة الكاتب او الشاعر انتاج انتاجه السابق, والتناص الخارجي الحاصل من التقاء وتقاطع النص مع نصوص اخرى غير نصوص الكاتب, او الشاعر.


من هنا تتبدى اهمية اقتفاء اثر الكتابات الاخرى في نص من النصوص والعلائق النصية الموجودة في داخله, بالاضافة الى التحويلات التي يقوم بها هذا النص لتلك النصوص والكتابات. وتحتاج مثل هذه المهمة الى ثقافة واسعة عند الباحث, والى معرفة واطلاع واسعين, واذا كان التناص الظاهر لا يحتاج الى ذلك لان الكاتب يشير إليه اما بوضعه داخل قوسين او بالتصريح به, فان التناص اللاشعوري هو المقصود بهذه المهمة.


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو اذا كان التناص هو قدر كل نص وأنه لا يمكن الحديث عن كتابة تبدأ من درجة الصفر, فهل معنى ذلك كما يقول الشاعر العربي القديم ما أظن ما نقول الا كلاما معاداً مكروراً.


ان الكتابة هي اعادة انتاج مستمرة ودائمة بأشكال مختلفة لهذا الكلام وان الكلام الاول الذي لم يكن مكروراً هو ما نطق به ادم كما يذهب الى ذلك رولان باروت؟!


والحقيقة ان من الصعب على مؤلف النص ان يعيد انتاج النص او النصوص السابقة نظرا لاختلافه عن مؤلف ذلك النص, او تلك النصوص, لكن ذلك لا يمنع من القول ان التناص يقتضي اضافة في المعنى على المعنى السابق وزيادة عليه, حيث تتجلى هنا القيمة الخاصة الجديدة للمؤلف في نصه الجديد, ولدوره الابداعي في تعميق وتوسيع المضمون الدلالي للنص او النصوص التي يقوم بعملية تشربها وتحويلها, وهو ما يشترطه الناقد عبد القاهر الجرجاني في نقدنا القديم لتأكيد القيمة الابداعية في النص الجديد.


ان النقد العربي مطالب باستيعاب استراتيجيات التناص ومفاهيمه واساسه المعرفي, ومستوياته وأشكاله المتعددة حتى يتمكن من تشكيل ارضية معرفية ونقدية تؤهله للمساهمة في اقامة حوار معرفي معه, سواء لنقض طروحاته ومفاهيمه ومقولاته, او لتطوير واغناء هذه المفاهيم والمقولات لكي لا نظل في اطار الاستهلاك والنقل خاصة مع التطور الواسع الذي يشهده النقد العالمي المعاصر, وتعدد اتجاهاته ومدارسه. واذا كانت سيرورة هذا النقد التاريخية والمعرفية تقوم على الاتصال لا الانقطاع فان مهمة النقد العربي المعاصر تتضاعف اذ لابد من استيعاب ومعرفة عوامل التحول ومرجعياتها, ومصادرها وكيفية تحولاتها داخل انساقها الامر الذي يؤكد على البعد الثقافي والمعرفي الكبير الذي لابد منه للنهوض بهذه العملية الواسعة التي بات يحتاج اليها النقد العربي المعاصر للخروج من حالته الراهنة.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


عطية العمري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2005, 08:31 AM   #4
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar

افتراضي



نظرية التناص

ب.م.دوبيازي Pierre Marc de Biazi

تعريب: المختار حسني


يعتبر مفهوم التناص، بعد ظهوره إلى الوجود، بفعل التجديد الذي لحق الفكر النقدي في سنوات الستين من هذا القرن، من الأدوات النقدية الرئيسية في الدراسات الأدبية؛ وظيفته تبيان الدعوى القائلة بأن كل نص يمكن قراءته على أساس أنه فضاء لتسرب وتحول واحد أو أكثر من النصوص في نصوص أخرى. ولكن، وخلال ربع قرن، أثار مفهوم التناص كثيرا من الجدل، ولم يفرض وجوده مؤخرا إلا بعد أن خضع لكثير من التنقيح والإصلاح على مستوى التحديد. ومن أجل إدراك ما له من أهمية؛ ينبغي تتبع هذا التطور خطوة خطوة.


ـ تكون المفهوم:

لا يمكن عزل فكرة التناص، في أصلها، عن الأعمال النظرية لجماعة "تيل كيل Tel Quel" ومجلتها الحاملة لاسمها (تأسست سنة 1960 بإدارة "فيليب سولرس Philippe Sollers"). فقد نشرت المفاهيم الرئيسية التي أعدتها طائفة من منظري الجماعة الذين تركوا بصمات عميقة في جيلهم؛ ففي مرحلة أوج "تيل كيل Tel Quel" سنة 1968/1969، ظهر المفهوم الجوهري بشكل رسمي في المعجم النقدي للطليعة؛ وذلك في إصدارين مخصصين لعرض الجهاز النظري للجماعة:

1 ـ الأول هو نظرية الجماعة: (Théorie d’Ensemble. Coll. Tel Quel, Seuil, Paris 1968.) وهو مؤلف جماعي شارك فيه كل من فوكو Foucault وبارت Barthes ودريدا Derrida وسولرس Sollers وكريستيفا Kristeva.

2 ـ والثاني هو سيميوطيقا؛ أبحاث من أجل تحليل دلائلي: (Séméiôtikè, Recherches pour une symanalyse) سنة 1969 لجوليا كريستيفا؛ ويجمع سلسلة من المقالات كانت قد كتبتها بين سنتي 1966-1969.

في نظرية الجماعة ينتقد فيليب سولرس التصنيف اللاهوتي للموضوع والمعنى والحقيقة… الخ، ويقترح، مقابل النص الكامل الجامد المسيج بقدسية شكله وفرادته، فرضية التناص المستعارة من الناقد الروسي ميخائيل باختين Mikhael Bakhtine القائلة بأن "كل نص يقع عند ملتقى مجموعة من النصوص الأخرى؛ يعيد قراءتها ويؤكدها ويكثفها ويحولها ويعمقها في نفس الوقت". وفي نفس المؤلف، في مقالها (مسألة بنائية النص Problème de la structuration du texte)، تقدم جوليا كريستيفا الرواية القروسطوية (Jéhan de Saintré) مثالا لتحديد ما ينبغي أن يفهم من مصطلح التناص؛ فهو "تفاعل نصي يحدث داخل نص واحد" ويسوغ تناول "مختلف متتاليات أو رموز بنية نصية ما باعتبارها جملة تحولات لمتتاليات ورموز مأخوذة من نصوص أخرى. وهكذا يمكن اعتبار بنية النص الروائي الفرنسي في القرن الخامس عشر نتيجة لتحول عدد كبير من هذه الرموز… من أجل هذا يغدو مفهوم التناص علامة للطريقة التي بها يقرأ نص ما التاريخ ويندمج فيه". إن جوليا كريستيفا التي كانت تنطلق من التحليل التحويلي (المستعار من شومسكي Chomsky وسومجان Saumjan) وجدت نفسها مرغمة على إضافة مفهوم التناص لتبلغ بتلك الطريقة ما هو اجتماعي وتاريخي؛ إذ بدون هذه الفرضية سيبقى ما هو اجتماعي وتاريخي بعيدا عن المتناول ضمن ما تتيحه ثنائية الدال/المدلول؛ تحول الدال/ثبات المدلول. هذا الإصلاح المنهجي سيرتكز، لتعويض ذلك، على "المنهج التحويلي" الذي، بوساطته، وبإضافة مفهوم التناص "يمكن وضع البنية الأدبية في المجموع الاجتماعي الذي يعتبر بمثابة مجموع نصي". بوضع هذا المبدأ يغدو التناص في "Petit Jéhan De Saintré" تفاعلا، في هذا النص، لأربعة مكونات تناصية:

1 ـ نص التقسيم التقليدي (تصميم الرواية بحسب الأبواب والفصول، النبرة الوعظية، الإحالة الذاتية في الكتابة والمخطوط).

2 ـ نص الشعر الغزلي (حيث "السيدة" La Dame "ّمركز اهتمام وتمجيد مجتمع ذي علاقات مثلية homosexuelle تجعل صورتها تنبعث من خلال.. المرأة.. والبكر" وحيث شبق الشعراء الجوالين (التروبادور Troubadours).

3 ـ النص الشفوي للمدنية (الأصوات الإشهارية للباعة، لافتات وعناوين المحلات، لغة اقتصاد العصر..).

4 ـ وأخيرا، خطاب الكرنفال (حيث يتجاوز التجانس والغموض والضحك واستشكال الجسد وجنس المشارك والقناع… الخ).

وتستخلص جوليا كريستيفا بأن هذا الرابط التناصي الذي يغير دلالة كل هذه الملفوظات بتجميعها في بنية النص، والذي من الممكن أن ينظر إليه كمجموع متنافر، يشكل مقاربة أولى لما يمكن أن تكون عليه "وحدة الخطاب" في عصر النهضة. وباعتماده على مفهوم التناص، يسمح المنهج التحويلي، أيضا، باستنتاج "العينة الإيديولوجية Idéologème من النص. وهذا الاسم أطلقته جوليا كريستيفا على هذه الوظيفة التي تربط بنية أدبية متماسكة (مثلا رواية) ببنيات أخرى (مثلا خطاب العلم). لقد كان أثر نظرية الجماعة كبيرا في أوساط الطليعة النقدية بعد أحداث ماي 1968. ومع سيميوطيقا؛ أبحاث من أجل تحليل دلائلي ستعود كريستيفا إلى هذه الأداة المنهجية وستحدد، على الخصوص، في دراستها "اللفظ والحوار والرواية" ما لباختين من فضل على مفهوم التناص؛ فإن الأساس في هذا المفهوم نشأ بدءا عن "اكتشاف كان باختين أول من أدخله إلى النظرية الأدبية؛ وهو أن كل نص يتشكل من فسيفساء من الاستشهادات، وكل نص امتصاص وتحويل لنص آخر. وهكذا يحل مفهوم التناص محل تواصل المعارف الذاتية Intersubjectivité. لا يستعمل باختين مصطلح التناص، ولكن الفكرة كامنة في المفهوم الباختيني لـ الحوارية Dialogisme كما نجدها في شعرية دوستوفيسكي Poétique de Dostoïvski (موسكو 1963، الترجمة الفرنسية لـ:إيزابيل كوليتشاف Isabelle Kolitcheff تقديم جوليا كريستيفا؛ سوي 1970 Seuil) وفي فرانسوا رابلي والثقافة الشعبية François Rabelais et la culture populaire (موسكو 1965 الترجمة الفرنسية لـ: أندري روبيل 1970 (André Robel, Gallimard, Paris ونجدها، فيما بعد، في جمالية ونظرية الرواية لـ: باريا أوليفي Baria Olivier, Gallimard, 1978 وفي جمالية الإبداع الشفوي Esthétique de la création verbale (موسكو 1979 الترجمة الفرنسية لـ: ألفريدا أوكوتيريي Alfreda Aucouturier, Gallimard, 1984). ويوضح باختين بجلاء ظواهر الانبعاث التي تجعل من الثقافة مكان عودة عنيفة للتقاليد المنسية، ويقيم الدليل على كون الرواية مهيأة مسبقا ببنيتها الخاصة، لدمج عدد كبير من المكونات اللسانية والأسلوبية والثقافية المختلفة على شكل تعدد الأصوات Polyphonique. إن مجموع تبادل المواقع الممكن، وتواجه الاختلافات على شكل حواري، يجعل من هذا الشكل الأدبي نموذجا تركيبيا يسمح بالتفكير في الأدبية بشكل مغاير. "فالمؤلف مشارك في روايته، كلي الحضور فيها، ولكن بدون لغة خاصة ومباشرة؛ فإن لغة الرواية نظام من اللغات التي تتضح معالمها بالمشاركة والتعاون أثناء الحوار". إن العناصر المستمدة مباشرة من باختين: (اللغات، التحول عبر ترابط الأصوات المتعددة، الحوارية، الوحدات الخطابية للثقافة) هي العناصر التي تكون مفهوم التناص. وكان تأثيره، بعد، أوضح ما يكون سنة 1981؛ فقد خص تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov هذا الناقد بكتاب قيم هو "ميخائل باختين، المبدأ الحواري" Mikhael Bakhtine, Le principe dialogique, Seuil, 1981 وفيه يقترح تقسيم المبدأ الحواري إلى مفهومين: مفهوم الحوارية بهذا المعنى الضيق، ومفهوم التناص كما حددته جوليا كريستيفا مع احتفاظ هذا المفهوم الثاني بـ"تسمية الحوارية" لـ"بعض الحالات الخاصة للتناص؛ من مثل تبادل الأجوبة بين متحاورين، أو في التصور الذي أعده باختين عن الشخصية الإنسانية".

هذا الجهد في التوضيح، وهذه "العودة إلى المنابع"، أمر لم يكن، في الحقيقة، امتيازا يحظى به تزفتان تودوروف وحده سنة 1981. ففي نفس الفترة كان هنالك مشارك آخر هو جيرار جنيت Gérard Genette مدير مجلة شعرية Poétique (منشورات سوي Seuil) الذي وضع اللمسات الأخيرة على الموضوع في كتابه "أطراس Palmpsestes" الذي سيقلب بعد حين كل هذا الصرح المفهومي؛ ذلك أن الوضعية النظرية للمفهوم منذ كتاب "سيميوطيقا" تعرضت لكثير من التطوير.


ـ سنوات السبعين: المقاربات الأولى:

لقد ساعد كتاب "نظرية الجماعة" و"سيميوطيقا" بشكل واسع في إخراج مفهوم التناص من دائرة جماعة "تيل كيل"، ولكن، بفضل التأثير الواسع لـ"رولان بارت Roland Barthes، فقط، سيصبح المفهوم محميا في الصفوف الأولى من الساحة النقدية. كانت الكلمة/المصلطح لا تزال تحتفظ لسنوات عديدة بنكهة التمرد. والجامعات (باستثناء أصغر الجامعات في فانسين Vincennes وباريس VII جوسيو Paris VII Jussieu) كانت تفضل تجاهل الفكرة، ولكن المفهوم بدأ شيئا فشيئا في الانتشار؛ فمنذ 1972 دخل المصطلح (التناص) دخولا محتشما إلى الحقل المعجمي حيث نجد في ملحق المعجم الموسوعي لعلوم اللغة Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage لمؤلفيه: أ.دوكرو Oswald Ducrot وت.تودوروف Tzvetan Todorov، نجد فرانسوا واهل François Wahl يتحدث عن "شبكة صلات واسعة وذات مراتب متنوعة" يقيم بها نظامه الخاص وفقا لقواعد اللغة المحددة سلفا.

وفي 1974 نشرت جوليا كريستيفا كتابها ثورة اللغة الشعرية […] لوتريامون وملارمي: La révolution du langage poétique, de l'avant garde à la fin du XIX° siècle : Lautréamont et Mallarmé حيث كانت طليعة نهاية القرن التاسع عشر وخاصة لوتريامون مجال اختبار لتحليل البنية الشعرية تحليلا تناصيا.

في السنة الموالية، بدا مفهوم التناص وقد تماسك بما فيه الكفاية لكلي يصبغ عليه رولان بارت صفة الرسمية في مادة "نظرية النص" من الموسوعة العامة Encyclopaedia universalis كمادة تدخل التأليف الموسوعي. ومن هذا التاريخ صار مفهوم التناص أمرا مقبولا، ولكن، مع الاحتفاظ، دائما، بحق المراجعة.

وتميزت سنة 1976 بغزارة المساهمات الجديدة في الموضوع، فمجلة شعرية خصصت عددها السابع والعشرين كاملا لمفهوم التناص؛ ونجد فيها من البحوث دراسة لوران جيني L.Jenny (استراتيجية الشكل La stratégie de la forme) وبحث أ.توبيا A.Topia (طباقات جويس Contrepoints Joyciens) ونجد دومنيك مانجينو Dominique Maingueneau بدوره في دراسته (مدخل إلى مناهج تحليل الخطاب، Initiation aux méthde l’analyse du discours, Hachette, Paris, 1976) يقترح نوعا من التبسيط للمفهوم الذي، وبسبب تأثير التعميم البيداغوجي، سيتحول إلى تغليب الجانب العلائقي على حساب المكون التحويلي. وبتحديد مصطلح التناص على أنه "مجموع العلاقات التي تربط نصا ما بمجموعة من النصوص الأخرى وتتجلى من خلاله" يغدو مفهومه أكثر رسوخا وسهولة في الاستعمال لكون حقل تطبيقاته غير بعيد عن المجال التقليدي لـ"نقد المصادر". ونستطيع بالتدريج أن نضم إليه ميادين كلاسيكية أخرى كدراسة المعارضة والمحاكاة الساخرة، وقد يتم أيضا ضم الكثير من الإشكاليات الكبرى للأدب المقارن. إلا أن توسيعا كهذا، مع ما له من مساهمة كبرى في تعميم استعمال مفهوم التناص؛ لن نستغرب وقوفه وراء الاضطراب النظري الذي سيفقد فيه التناص، في المطاف الأخير، ولمدة معينة، الخصائص الرئيسية لمفهومه.

هذا النمو السيء للمفهوم، والذي لا تزال آثاره اليوم قائمة، كان تفاقمه راجعا بدون شك لسنتي 1975-1976 بسبب بعض الاضطرابات الاصطلاحية، خاصة ما يتعلق منها بالمفهوم الفرعي: المتناص [ على وزن المتفاعل ] L’intertexte. فلوران جيني مثلا يقصد به "النص الذي يمتص عددا واسعا من النصوص مع اسمراره في التركيز على معنى معين"، أما ميشال أريفي Michel Arrivé فقد اقترح للمتناص تعريفا يولي فيه الأهمية لجانب العلاقات مما يجعله أوسع من التعريف السابق؛ حيث يرى أنه "مجموع النصوص التي تحكمها علاقات تناصية"، أما ميكائيل رفاتير Michael Riffaterre فلا يرى في المتناص غير النص الذي يشكل مرجعيته، بينما ينتقد بيير مالاندان Pierre Malindain في محاولته تعريف المصطلح، هذا البعد الغيري الخارجي الذي يعرف به المفهوم ويقترح بدلا من ذلك "افتراض وجود فضاء ما في المتناص تتولد فيه تلك العلاقات المتبادلة المكونة للتناص".

على هامش هذا التشويش، لم يتوقف المفهوم عن الانتشار في لغة النقد، ولكن بهيمنة واضحة لجانب العلاقات. واعتبارا لهذا الإشكال، وقصدا منها لتلافي الانحراف، عادت جوليا كريستيفا سنة 1976 لتلح على البعد التحويلي للمفهوم موضحة أن التناص "تقاطع تحويلات متبادلة لوحدات منتمية لنصوص مختلفة". إن الجدل إذن لم يزد إلا حدة في نهاية سنوات السبعين.


ـ سنوات 1980: الإنتاجية وتنقيح المفهوم

كانت سنوات 1979-1982 الغنية بالإصدارات شاهدا على دخول مفهوم التناص مرحلة النضج؛ فكانت أعمال "ريفاتير":

ـ إنتاجية النص: La production du texte, Seuil, 1979

ـ (التعالق النصي): La syllepse intertextuelle, in Poétique, n°40, Seuil 1979

ـ (أثر التناص): Paris, oct.1979 La trace de l'intertexte, in La pensée,

ـ سيميائية الشعر: Sémiotique de la poésie, Seuil 1982

التي تحتل بكل تأكيد مكان الصدارة في هذه الناحية من البحث النقدي؛ وإن كنا نجد فيها تصورا فضفاضا عند تحديد المفهوم؛ فعنده أن "التناص هو ملاحظة القارئ لعلاقات بين عمل أدبي وأعمال أخرى سابقة أو لاحقة عليه". ويؤدي إجراء "ريفاتير"، على الأقل مبدئيا، إلى المطابقة بجرأة بين التناص والأدبية؛ فعنده أن "التناص هو الآلية الخالصة للقراءة الأدبية، إذ هي وحدها فقط التي تنتج الدلالة في الوقت الذي لا تستطيع فيه القراءة السطرية المشتركة بين جميع النصوص أدبية كانت أو غير أدبية، أن تنتج غير المعنى". ولكن، وكما ينص على ذلك جيرار جنيت الذي يستشهد بهذه التعريفات في كتابه أطراس، فإن "سعة هذه النظرية مصحوبة بالتقييد والجزئية في التطبيق؛ لأن العلاقات المدروسة من قبل ريفاتير هي دائما منتمية لنظام البنيات الدقيقة micro-structures والدلالية الأسلوبية sémantico-stylistiques في سلم الجملة، لمقطع أو نص قصير، شعري في الغالب. الأثر التناصي، حسب رفاتير، مثل التلميح، ينتمي لنظام الصورة الجزئية بالنظر إلى بنية الجملة أكثر ما ينتمي للعمل الأدبي". في الحقيقة، وبالرغم من سيطرة بعض الصياغات على مفهوم التناص، فإن الأبحاث الوفيرة لريفاتير حول (بودلير Baudelaire وبروتون Breton وديسنوس Desnos ودي بيللاي Du Bellay وإيلوار Eluard وجوتيي Gautier وكراك Cracq وهوجو Hugo وليريس Leiris ومالارمي Mallarmé وبونج Ponge..) تتميز بإتاحة استعمال جهاز سيميائي يركز على تفسير ظواهر التناص الأكثر تحديدا. إن مجموع هذه التحاليل تم تقديمها باعتبارها تمثل طريقة جديدة للقراءة ينكشف فيها سر الأدبية ذاته ويستفيد النص من دلالته كاملة، ولكن في التطبيق استعمل المفهوم من قبل ريفاتير في حدود الأداة الأسلوبية والسيميائية المسايرة للفرضيات التي صاغتها كريستيفا، مع تعزيزها بتجارب نصية غنية ومكثفة.

وثاني هذه الإصدارات المهمة في أوائل سنوات الثمانين كان مؤلف أنطوان كومبانيون Antoine Compagnon الذي بدأه حوالي سنة 1975 ونشره سنة 1979 بعنوان اليد الثانية أو اشتغال الاستشهاد (La seconde main ou le travail de la citation, Seuil ) ويقدم فيه لأول مرة دراسة منهجية واسعة للاستشهاد باعتباره ممارسة تناصية. وبإدراك أن الاستشهاد "تكرار لوحدة من خطاب في خطاب آخر"، فإن ذلك يعني كونه إعادة إنتاج للملفوظ (النص المستشهد به) الذي يقتطع من نص أصل (نص1) ليتم إدخاله في نص مستقبل (نص2). وإذا كان هذا الملفوظ المستشهد به يبقى على حاله بالنظر إلى دواله، فإن تغيير الموقع الذي يتعرض له يحول دلالته وينتج قيمة جديدة، ويتسبب في تحويلات تؤثر في دلالة النص المستشهد به والنص المستقبل له معا، عند نقطة الاندماج بينهما. بهذا التحديد المنهجي لقضية الاستشهاد يقترح أنطوان كومبانيون اعتباره نموذجا للكتابة الأدبية التي تتسم بنفس مقتضيات تحويل العناصر والتوفيق بينها: "دور الكتابة هو إعادة كتابة كلما تعلق الأمر بتحويل عناصر متفرقة ومنقطعة داخل كل مستمر ومتماسك […] كل كتابة هي تجميع وشرح واستشهاد وتعليق". بطبيعته الهجينة (قراءة وكتابة في نفس الوقت) ينظر إلى الاستشهاد على أنه وجه من أوجه التناص الذي من خلاله تنكشف قضية أعمق لا يمثل هو فيها غير أثر من آثارها المميزة، وهذه القضية هي اشتغال الكتابة والطاقة التي تسري في هذه البنية المتحركة.

كانت دراسة أنطوان كومبانيون مثلها مثل أعمال ريفاتير –ولكن من وجهة نظر أخرى- تذهب في اتجاه إعطاء قيمة أكثر عمومية للتناص باعتباره معطى رئيسا لتفسير الظاهرة الأدبية، ولكن هذا التقدير الواسع يبقى محصورا في دراسة الأشكال الأكثر وضوحا للتناص (أي في كونه حضورا فعليا وحرفيا لنص في آخر)، ويغدو مفهوم التناص نفسه ثابتا في بعده المزدوج: العلائقي والتحويلي. وإذا كانت الأدبية قد اعتبرت أفقا له، فذلك بسبب توضيح بعض جوانب الوحدة بين الاستشهاد والكتابة.

وكما نلاحظ، فبعد عشر سنوات عشر من الجهود المكثفة والمتشعبة، أخذ حقل الدراسات التناصية في التكون، وقد جاء المشروع العام للتوضيح النظري لا من النقد الأدبي، ولكن من الشعرية التي تسعى بالضبط إلى تجاوز فرادة النصوص وتميزها، والاهتمام بدلا من ذلك بجامع النص L’Architexte، أي بمجموع الأصناف العامة (أنواع الخطاب، أنماط الملفوظ، الأنواع الأدبية.. الخ) التي عليها تتأسس النصوص. كان ذلك أولا على شكل مشروع عمل في مدخل لجامع النص (Introduction à l'architexte, Seuil, 1979)، ثم بطريقة أكثر تفصيلا في أطراس ( Palimpsestes, Seuil, 1982 حيث يقترح جيرار جنيت تحديدا جديدا وشاملا للمجال النظري الذي يمكن أن ينحصر فيه بوضوح الفضاء المميز للتناص. إن إعادة تنظيم كهذه، لا يمكن أن تتشكل إلا بالانطلاق من زاوية نظر خارجية بعيدة تماما عن المنحى التأويلي. هذه الرغبة في البعد التي تبلور وجهة نظر واضحة وموضوعية هي التي تميز مفهوم "ما وراء النصية Transtextualité" التي يجعل منها جيرار جنيت موضوع الشعرية ويحددها كمتعالية نصية للنص Transcendance textuelle du texte تؤطر "كل ما يجعل نصا ما في علاقة ظاهرة أو خفية بنصوص أخرى". وبعيدا عن التطابق مع التناص تظهر "الماوراء نصية" فروقا عميقة بين مختلف أشكال العلاقات التي يمكن للنص أن ينشئها مع نصوص أخرى؛ من هنا يقترح جيرار جنيت التمييز بين خمسة أنواع من العلاقات الماوراء نصية ويرتبها وفق نظام تصاعدي من التجريد Abstraction إلى التضمين Implication إلى الإجمال Globalité وهذه الأنواع هي:

1 ـ التناص بالمعنى الذي صاغته جوليا كريستيفا وينبغي أن يكون محصورا في حدود "حضور فعلي لنص ما في نص آخر".

2 ـ التوازي النصي Paratextualité أو العلاقة التي ينشئها النص مع محيطه النصي المباشر (العنوان، العنوان الفرعي، العنوان الداخلي، التصدير، التنبيه، الملاحظة..الخ). ففي إطار هذا المجموع النصي يتكون العمل الأدبي (ينظر: جيرار جنيت، عتبات، منشورات سوي G.Genette, Seuil 1987).

3 ـ النصية الواصفة Métatextualité أو علاقة التفسير التي تربط نصا بآخر؛ بحيث يتحدث عنه دون أن يتلفظ به بالضرورة. وبتعبير أفضل: هي علاقة نقد.

4 ـ النصية المتفرعة Hypertextualité أو العلاقة التي من خلالها يمكن لنص ما أن يشتق من نص سابق عليه بوساطة التحويل البسيط أو المحاكاة، وفي هذا النوع ينبغي تصنيف المحاكاة الساخرة والمعارضات (وقد كرس كتاب أطراس لهذا النوع من الماوراء نصية).

5 ـ النصية الجامعة Architextualité وهي علاقة بكماء ضمنية أو مختصرة لها طابع تصنيفي خالص لنص ما في طبقته النوعية (ينظر جيرار جنيت، مدخل لجامع النص Introduction à l'architexte).

مثل هذا الجهاز المفاهيمي يزيح كثيرا من الغموض الذي كان الخطاب الواصف النقدي يكثر حوله الجدل. فهو يسمح مثلا بتمييز المجال الدقيق للتناص والنصية المتفرعة عن المعارضة والمحاكاة الساخرة التي تمتلك قواعد تكوينها الخاص بداخلها. وبكل وضوح فقد أصبح مفهوم التناص أكثر حصرا وتحديدا عما كان عليه في الماضي؛ يعرفه جيرار جنيت "بعلاقة حضور متزامن بين نصين أو أكثر" أو هو الحضور الفعلي لنص داخل نص آخر (حضور ملاحظ، مع الأثر التحويلي لهذا الحضور) وبدرجات وأنماط عديدة ومختلفة في هذه العلاقة: "بشكلها الأكثر جلاء وحرفية؛ وهي الطريقة المتبعة قديما في الاستشهاد (بين مزدوجتين، بالتوثيق أو بدون توثيق). أو بشكل أقل وضوحا وأقل شرعية (في حال السرقة الأدبية كما نجد مثلا عند "لوتريامون Lautréamont) وهو اقتراض غير مصرح به ولكنه أيضا حرفي. أو بشكل أقل وضوحا وأقل حرفية في حال التلميح L’allusion، أي في ملفوظ لا يستطيع غير الذكاء الحاد تقدير العلاقة بينه وبين ملفوظ آخر لما يحس فيه من نوع نحوه بشكل ما من الأشكال، وإلا فإنه يبقى غير ملحوظ؛ كما كتب بوالو Boileau مثلا في سجل قديم للويس الرابع عشر Louis XIV:

للحكاية التي من أجلك أنا مستعد للبدء فيها

أخالني أرى الصخور تهرع لتسمعني

فهذه الصخور المتحركة المتيقظة ستبدو بدون شك ضربا من العبث لمن لا يعرف أساطير "أورفي Orphée وأمفيان Amphion" (أطراس). وكما يذكر جنيت في هذه الفقرة من أطراس فإن الجهود المعاصرة في الاشتغال على التناص تقع في حدود هذه التعريفات السالفة الذكر: تطبيقات الاستشهاد لدى أنطوان كومبانيون، دراسة السرقة عند كريستيفا، التلميح والوضع الضمني للتناص لدى ريفاتير.

وبوضعه حدا للمفاهيم الفضفاضة حول التناص، لا يحتفظ أطراس بغير الأبحاث الرئيسية في هذا المجال. ولا نستطيع، مع ذلك، القول بأن هذا الوضوح المفهومي قد حقق حوله إجماعا على الفور؛ فبعد ظهوره سنة 1982 بدا تأثير أطراس بطيئا، إلا أن فعالية تفريعاته بدأت تؤتي أكلها في أغلب الأبحاث التناصية التي أخلصت لتيار سنة 1980. ونجد، فوق ذلك، أبحاثا تساهم في استكمال صلاحية مقترحات جنيت التعريفية؛ ففي أطروحة جامعية نوقشت سنة 1988 بجامعة باريس III تحت عنوان الممارسة التناصية عند مارسيل بروست من خلال في البحث عن الزمن الضائع: مجالات الاقتراض (La pratique intertextuelle, Marcel PROUST dans « à la recherche du temps perdu », Les domaines de l’emprunt) (وصدر ضمن منشورات "Titre" سنة 1990 تحت عنوان مارسيل بروست: لعبة التناص) أبرزت الباحثة أنيك بوياكي Annick Bouiaquet بوضوح إمكان تنظيم الاقتراض التناصي L’emprunt intertextuel بوساطة تقاطع مفهومي "الحرفي" و"الواضح" Littéral et explicite. فالاستشهاد اقتراض حرفي وواضح، والسرقة اقتراض حرفي وغير واضح، والإحالة اقتراض واضح وغير حرفي، والتلميح اقتراض غير حرفي وغير واضح. بعد هذا التطبيق في العالم الروائي للنص البروستي سيسمح هذا الجهاز بتوضيح معقول لعدد لا يستهان به من الظواهر النصية التي لا زالت لحد الآن إما خفية أو ملغزة. وبنفس الطريقة نجد اليوم بعض الروائيين الكبار أمثال فلوبير Flaubert موضوعا لأبحاث يتقاطع فيها التحليل التناصي مع تحليل المخطوطات ودراسة مكونات العمل الأدبي.

إن البحث في "ما قبل النص L’avant texte" عن كيفية تكون الاقتراض، وفي حال نشأته، عن كيفية حدوث الاستشهاد والسرقة والإحالة والتلميح من خلال تملك Appropriation وإدماج intégration يسع فضاء النص المنجز، وإن فهم الظاهرة التناصية في هذا البعد الثالث للنص الذي هو إنتاجيته؛ كل هذا وذاك سيكون اليوم، بدون شك، الأفق الذي يفتحه في النقد الأدبي التكامل الواضح للدراسات التناصية والأبحاث في الوراثيات النصية Génétique textuelle.

إن مفهوم التناص، وهو لم يصل بعد إلى درجة من الكمال، من المحتمل أن يدخل اليوم في مرحلة جديدة من إعادة التعريف.

المرجع:

Encyclopaedia Universalis S.A. 1997, Tome 12, p514-516.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


عطية العمري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2005, 08:37 AM   #5
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar

افتراضي



التناص (النشأة والمفهوم) ... إيمان الشنيني
التاريخ: الأربعاء 01 أكتوبر 2003
الموضوع: نقد


- جدارية محمود درويش نموذجا -

أ*- في الأدب الغربي :

إذا ما تتبعنا نشأة التناص وبداياته الأولى كمصطلح نقدي نجد أنه كان يرد في بداية الأمر ضمن الحديث عن الدراسات اللسانية (1) وقد وضح مفهوم التناص العالم الروسي ميخائيل باختين من خلال كتابه (فلسفة اللغة) وعنى باختين بالتناص: الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص – أو لأجزاء – من نصوص سابقة عليها والذي أفاد منه بعد ذلك العديد من الباحثين (2) حتى استوى مفهوم التناص بشكل تام على يد تلميذة باختين الباحثة جوليا كرستيفا

وقد أجرت كرستيفا استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها (ثورة اللغة الشعرية) وعرفت فيها التناص بأنه " التفاعل النصي في نص بعينه" (3) كما ترى جوليا أن " كل نص يتشكل من تركيبة فسيفسائية من الاستشهادات وكل نص هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى "(4) .ثم التقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين وتوالت الدراسات حول التناص وتوسع الباحثون في تناول هذا المفهوم وكلها لا تخرج عن هذا الأصل ، وقد أضاف الناقد الفرنسي جيرار جينيت لذلك أن حدد أصنافاً للتناص وهي :

1- الاستشهاد وهو الشكل الصريح للتناص

2- السرقة وهو أقل صراحة .

3- النص الموازي : علاقة النص بالعنوان والمقدمة والتقديم والتمهيد.

4- الوصف النصي : العلاقة التي تربط بين النص والنص الذي يتحدث عنه.

5- النصية الواسعة : علاقة الاشتقاق بين النص( الأصلي/القديم) والنص السابق عليه (الواسع/الجديد).

6- النصية الجامعة : العلاقة البكماء بالأجناس النصية التي يفصح عنها التنصيص الموازي (5(

وبعد ذلك اتسع مفهوم التناص وأصبح بمثابة ظاهرة نقدية جديدة وجديرة بالدراسة والاهتمام وشاعت في الأدب الغربي ، ولاحقاً انتقل هذا الاهتمام بتقنية التناص إلى الأدب العربي مع جملة ما انتقل إلينا من ظواهر أدبية ونقدية غربية ضمن الاحتكاك الثقافي .


ب - في الأدب العربي القديم والمعاصر:

وإذا ما انتقلنا لمفهوم التناص ونشأته في الأدب العربي نجد أن مفهوم التناص هو مصطلح جديد لظاهرة أدبية ونقدية قديمة فـ "ظاهرة تداخل النصوص هي سمة جوهرية في الثقافة العربية حيث تتشكل العوالم الثقافية في ذاكرة الإنسان العربي ممتزجة ومتداخلة في تشابك عجيب ومذهل"(6) فالتأمل في طبيعة التأليفات النقدية العربية القديمة يعطينا صورة واضحة جداً لوجود أصول لقضية التناص فيه ، واقتفى كثير من الباحثين المعاصرين العرب أثر التناص في الأدب القديم وأظهروا وجوده فيها تحت مسميات أخرى وبأشكال تقترب بمسافة كبيرة من المصطلح الحديث، وقد أوضح الدكتور محمد بنيس ذلك وبين أن الشعرية العربية القديمة قد فطنت لعلاقة النص بغيره من النصوص منذ الجاهلية وضرب مثلاً للمقدمة الطللية ، والتي تعكس شكلاً لسلطة النص و"قراءة أولية لعلاقة النصوص ببعضها وللتداخل النصي بينها" فكون المقدمة الطللية تقتضي ذات التقليد الشعري من الوقوف والبكاء وذكر الدمن فهذا إنما يفتح أفقاً واسعاً لدخول القصائد في فضاء نصي متشابك ووجود تربة خصبة للتفاعل النصي.(7)

وإذا استمرينا في تتبع أصول التناص في أدبنا القديم نجد أن الموازنة التي أقامها الآمدي بين أبي تمام والبحتري تعكس شكلاً من أشكال التناص ، وكذلك المفاضلة كما هو عند المنجم، والوساطة بين المتنبي وخصومه عند الجرجاني، ولما كانت السرقة كما يقول جينيت صنفاً من أصناف التناص فإنه بإمكاننا اعتبار كتب النقاد القدامى كسرقات أبي تمام للقطربلي وسرقات البحتري من أبي تمام للنصيبي والإبانة عن سرقات المتنبي للحميدي ، تظهر بشكل جلي مدى تأصل ظاهرة التناص في الشعر العربي ، وهذا لا يعد أمراً غريباً لأن التناص أمر لابد منه و"ذلك لأن العمل الأدبي يدخل في شجرة نسب عريقة وممتدة تماماً مثل الكائن البشري ، فهو لا يأن فراغ كما أنه لا يفضي إلى فراغ ، إنه نتاج أدبي لغوي لكل ما سبقه من موروث أدبي ، وهو بذرة خصبة تؤول إلى نصوص تنتج عنه"(8)، وعلى الرغم من هذه الموازنات والسرقات والمعارضات والجدل الطويل الذي دار بين النقاد القدامى الذين درسوا هذه الظواهر التي تتفاوت فيها الصلة بين النص الجديد والنص القديم (9) إلا أن هذا الجهد يدل على انشغال الثقافة العربية بعلاقة النصوص ببعضها البعض ، وإدراك النقاد القدامى "للغة والأسلوب من جهة وبنية الخطاب من جهة أخرى وهكذا أنزلوا الأولى منزلة السرقة والثانية منزلة الإجبار الذي هو شرط أسبق في بناء الخطاب"(10) وبذلك يكونوا قد أدركوا مضمون التناص .

والتناص في الأدب العربي مر ببدايات غنية تحت مسميات نقدية تناسب عصوره القديمة وعاد من جديد للظهور متأثراً بالدراسات اللسانية الغربية الحديثة كمصطلح مستقل له أصوله ونظرياته وتداعياته، ففي الأدب العربي المعاصر حظي مفهوم التناص باهتمام كبير لشيوعه في الدراسات النقدية الغربية نتيجة للتفاعل الثقافي وتأثير المدارس الغربية في الأدب العربي وكانت دراسة التناص في بداياتها قد اتخذت شكل الدراسة المقارنة وانصرفت عن الأشكال اللفظية والنحوية والدلالية(11)

ويشير الدكتور محمد مفتاح أن دراسة التناص في الأدب الحديث قد انصبت أول الأمر في حقول الأدب المقارن والمثاقفة كما فعل عز الدين المناصرة في كتابه (المثاقفة والنقد المقارن: منظور شكلي) (12) ثم دخل الباحثون العرب في إشكالية المصطلح نتيجة لاختلاف الترجمات والمدارس النقدية فمحمد بنيس يطلق عليه مصطلح "النص الغائب "ومحمد مفتاح يسميه بـ "التعالق النصي" حيث عرفه فقال "التناص هو تعالق - الدخول في علاقة- نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة"(13) ، وقد أضاف النقاد العرب المعاصرين الكثير من الإضافات حول مصطلح التناص ضمن جوهره فعرفه محمود جابر عباس بإسهاب بأنه "اعتماد نص من النصوص على غيره من النصوص النثرية أو الشعرية القديمة أو المعاصرة الشفاهية أو الكتابية العربية أو الأجنبية ووجود صيغة من الصيغ العلائقية والبنيوية والتركيبية والتشكيلية والأسلوبية بين النصين"(14) وقد توسع أيضا بذكر التحولات التي تحدث في النص الجديد نتيجة تضمينه للنص الأصلي مع احتفاظ كل نص منهما بمزاياه وأصدائه وتتركز قدرة الشاعر اللاحق على تعميق إيحاءات النص بحيث يعطيه أبعاداً جديدة، كما عرفه الدكتور أحمد الزعبي بأنه "أن يتضمن نص أدبي ما نصوصاً أو أفكارا أخرى سابقة عليه عن طريق الاقتباس أو التضمين أو الإشارة أو ما شابه ذلك من المقروء الثقافي لدى الأديب بحيث تندمج هذه النصوص أو الأفكار مع النص الأصلي وتندغم فيه ليتشكل نص جديد واحد متكامل"(15) ، وتعريفات التناص كما بينها النقاد الحداثيون كثيرة جدا ومتشعبة وكلها تدول حول جوهر التناص الذي يصب في النهاية في كونه تأثر نص بنص سابق.


تقنية التناص وأشكاله:

تعتمد تقنية التناص على إلغاء الحدود بين النص والنصوص أو الوقائع أو الشخصيات التي يضمنها الشاعر نصه الجديد حيث تأتي هذه النصوص موظفة ومذابة في النص فتفتح آفاقاً أخرى دينية وأسطورية وأدبية وتاريخية عدة مما يجعل من النص ملتقى لأكثر من زمن وأكثر من حدث وأكثر من دلالة فيصبح النص غنياً حافلاً بالدلالات والمعاني، ويوضح الدكتور علي العلاق هذه التقنية "القصيدة باعتبارها عملاً فنياً تجسد لحظة فردية خاصة وهي في أوج توترها وغناها وهذه اللحظة تتصل على الرغم من تفردها بتيار من اللحظات الفردية المتراكمة الأخرى"(16) وهذا ما يسميه أيضا عبدالله الغذامي بتناص النصوص فالنص ابن النص(17) على حد تعبيره فكل نص هو إناء يحوي بشكل أو بآخر أصداء نصوص أخرى ولاشك أن الشاعر يتأثر بتراثه وثقافته ويبني عليها شعره ، فالتناص أمر لا مفر منه وهو موجود في كل نص شعري إذ إنه "لافكاك للإنسان من شروطه الزمانية والمكانية ومحتوياتها"(18) ولكن يبقى السؤال كيف نحدد مواطن التناص في نص ما؟ وكيف نعرف أن الشاعر قد استثمر هنا بيتاً أو أسطورة أو معركة؟ والجواب يكون أن تمييز إشارات الشاعر وتلميحاته لنصوص أخرى أمر نسبي لأن ذلك يعتمد على المعرفة ، أي معرفة المتلقي ومدى اتساع ثقافته "فالمعرفة ركيزة تأويل النص من قبل المتلقي"(18) ، فكل حضور ذهني لدلالة ما ونحن نقرأ نصاُ فإن مرده إلى التناص وعلينا حينئذٍ أن نبحث عن مصدر لذلك الصدى في مخزوننا الثقافي الخاص ومنه نتعرف على كيفية استثمار الشاعر له ، والذائقة الشعرية تميل إلى الاستمتاع بتأويل التناص في النص كلما كانت الصلة بين النصين أخفى وأبعد وأعمق(19) حيث يمنح القارئ وقفة تأملية بين دلالاتين مختلفتين تتحدان معاً في نص واحد جديد مثيرة دلالات أخرى جديدة تحمل أكثر من بصمة وأكثر من بعد . ويستقي الشاعر التناص من مصادر متباينة هي:

1- المصادر الضرورية: ويكون فيها التأثير طبيعياً وتلقائياً وهو ما يسمى بالذاكرة أو الموروث العام ، مثل المقدمة الطللية في القصيدة الجاهلية.

2- المصادر اللازمة : داخلية تتعلق بالتناص الواقع في نتاج الشاعر نفسه مثل قصيدتي السياب (أنشودة المطر) و (غريب على الخليج).

3- المصادر الطوعية : وهي اختيارية وتشير إلى ما يطلبه الشاعر عمداً في نصوص متزامنة أو سابقة عليه وهي مطلوبة لذاتها(20)

وينقسم التناص حسب توظيفه في النصوص إلى:

1- التناص الظاهر: ويدخل ضمنه الاقتباس والتضمين ويسمى أيضاً التناص الواعي أو الشعوري.

2- التناص اللاشعوري: (تناص الخفاء) ويكون فيه المؤلف غير واعي بحضور نص في النص الذي يكتبه (21)


التناص ودلالاته في جدارية لمحمود درويش

حول الجدارية:

جدارية هو ديوان / قصيدة للشاعر محمود درويش يمثل تجربة جديرة بالتأمل والدراسة لما تحويه من غنى وتنوع في الظواهر الأدبية والفنية ، تجسد (جدارية) بشكل عام صراعاً بين الموت والحياة في إشارات واضحة لذلك على مدار القصيدة ، يعاني فيها الشاعر موت أمور كثيرة فمن موت اللغة إلى ضياع الهوية إلى عبث ولا جدوى ، وتحدي وإصرار على المواجهة ، القصيدة (أرض خضراء) جمعت جوانب أدبية ودينية واجتماعية وفلسفية وسياسية بحيث ألقى فيها الشاعر جل همومه. أحيانا يلجأ إلى تصويرها وحين يشتد به الأسى يلجأ كثيراً إلى أسلوب التداعي الحر في بعض المقاطع ، واستخدامه للرمز والأسطورة والتناص وهو ما تم التركيز عليه في هذا البحث ، في هذا الفصل نقدم نماذج لبعض مواطن التناص الواردة في القصيدة مع يقين مطلق بأن ما سيتم ذكره من تناصات هو جزء بسيط من تلك التناصات الخفية التي لم يفطن لها.

التناص ودلالاته في جدارية لمحمود درويش

أ- التناص الأدبي:

والتناص الأدبي هو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أو حديثة شعراً أو نثراً مع نص القصيدة الأصلي بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر.(22(


1- النص الموازي (جدارية):

النموذج الأول للتناص في الجدارية هو عنوان الديوان/ القصيدة (جدارية) ولأن أرض قصيدته خضراء كما يردد الشاعر في النص فقد كانت بالفعل كذلك أرضاً خضراء غنية بالتناصات حتى إنه ليطالعنا في النص الموازي (العنوان على الغلاف) فحين كتب محمود درويش هذه القصيدة أسماها (جدارية) وهي مفردة مرادفة لـ (معلقة) فلعل الشاعر بهذا يرغب في أن يعود لنقطة البداية من جديد بعد صراع محموم مع النهاية (الموت) في معلقته أو جداريته، ولأن للمعلقات مكانة خاصة ومتميزة في الشعر العربي فإن اختياره لهذا العنوان يرفع من القيمة الأدبية لعمله ويضعه في مصاف المعلقات وربما كان ذلك إيماناً من الشاعر بعبقريته الشعرية وبرؤيته لنصه على أنه يستحق أن يعلق على الجدران كما كان الحال مع المعلقات الخالدة، والدلالة الأخرى التي يثيرها عنوان جدارية هي أن الشاعر في هذه الجدارية يشعرنا بأنه قد أودعها خلاصة شعره وتجربته الحياتية والأدبية وحكمته فأراد لها أن تبقى حية في الأذهان خالدة في الذاكرة كخلود المعلقات الجاهلية ، أو لأن النص بريء وعفوي يتعامل مع "أصغر الأشياء" ببساطة وعفوية البدايات البشرية، وكلما توغلنا في النص كلما تكثفت دلالات المعلقات وما ارتبط بها وبشعرائها - كما سنرى لاحقاً- ، كل هذه الدلالات تفجرها لفظة جدارية التي وسم بها محمود درويش ديوانه هذا .


2- امرؤ القيس:

شغل امرؤ القيس الشعر والشعراء في كل عصور الأدب العربي وله فيه مكانة كبيرة ولاشك وذلك لغنى تجربته الأدبية والحياتية ، و"تكاد تكون شخصية امرىء القيس شخصية نموذجية في رحلة الشعر العربي القديم والحديث ، فلطالما استلهم الشعراء شعر امرىء القيس بأساليب مختلفة ومتعددة ، وهذا بحد ذاته أمر يشير إلى أهمية امرىء القيس" (23) وقد استثمر محمود درويش في جداريته محور الغربة في حياة امرىء القيس ووظفه في نصه بشكل موفق ، يقول محمود درويش :

" يا اسمي: سوف تكبر حين أكبر
سوف تحملني وأحملك
الغريب أخ الغريب" (24)

وجد الشاعر في رحلة امرىء القيس وغربته مادة يمكن أن يزاوج فيها بين واقع الإنسان المعاصر وواقع امرىء القيس وهو واقع لا يعرف الاستقرار ، وهنا تتلاقى تجربة امرىء القيس ومحمود درويش حيث يسيطر إحساس عالٍ بالغربة على الشاعر فيشطر من ذاته شطرين ويخلق من نفسه آخراً يستعين به على غربته ، وقد جمع هذا الإحساس بالغربة بين هذين الشاعرين فكلاهما غريب عن أرضه وتجمعه الغربة بألفة هي ألفة الغريب بالغريب كما في قول امرىء القيس :

أجارتنا إنا غريبان هاهنا وكل غريب للغريب نسيب

كما أن رحلة امرىء القيس بكل ما فيها من ألم ومغامرة تلتقي مع رحلة درويش الماضية في فضاء أبيض شفاف هو نقاء النهايات التي يقابلها الشاعر بنوع من التحدي حيناً والاستسلام حيناً آخر ، فالغربة والإحساس بدنو النهاية جمع كلا الشاعرين ولعل درويش في هذا التناص يقول لنا أن غربته طويلة ومتأصلة في داخله وتمد جذورها في روحه منذ أيام امرىء القيس حتى يومنا هذا .ويعود محمود درويش في موطن آخر من جداريته ليلتقي بامرىء القيس ولكن هذه المرة يتماس معه في نقطة أخرى ومحور ثان هو الرحلة ، يقول :

"كلابنا هدأت
وماعزنا توشح بالضباب على
التلال. وشج سهم طائش وجه
اليقين. تعبت من لغتي تقول ولا
تقول على ظهور الخيل ماذا يصنع
الماضي بأيام امرىء القيس الموزع
بين قافية وقيصر..." (25)

نعرف أن رحلة امرىء القيس كانت لإعادة ملك مسلوب وهذا الملك المسلوب هو أيضاً ما يرتحل من أجله محمود درويش ملك الأرض والوطن المسلوب ، ولكن درويش يبدو فارساً منهكاً لا يجد في رحلته جدوى حين يطبق عليه اليأس الخناق حيث تغيب معاني الأمل والحياة أمامه فيقع تحت شعور ثقيل بعبثية الحياة والوجود وتجمد الأشياء وتتصلب عند مؤشر واحد هو الموت ، موت الحياة بكل ما فيها من مظاهر ساذجة وحميمة ، وما يزيد من إحساس العبث هذا هو ذلك السهم "الطائش" الذي شج وجه اليقين وهو معادل موضوعي لفكرة الموت في نفس الشاعر، فحينها لا يعود للارتحال ولا للمغامرة ولا لطلب أي هدف معنى لذلك جاء تناصه مع رحلة امرىء القيس هنا مرتداً للماضي الموزع بين الشعر والغاية التي كرس لها الشاعر حياته كما كرس امرىء القيس حياته من أجل قضيته وفي النهاية لم ينل أي منهما سوى ذلك اليقين الأبدي .. الموت.

( يتنع )



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


عطية العمري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2005, 08:39 AM   #6
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar

افتراضي



( تابع ما قبله )

3- المعري:

يستعرض محمود درويش في لحظات سريعة مشارفته على الموت في مشاهد متتالية ذات إيقاع سريع ومتوتر فيطل على شرفات الموت ليلتقي ويصافح من سبقوه إلى مصيره الذي هو سائر إليه طوعاً أو كرهاً فيقول :

" رأيت المعري يطرد نقاده
من قصيدته :
لست أعمى
لأبصر ما تبصرون
فإن البصيرة نور يؤدي
إلى عدم....... أو جنون" (26)

اجتمع محمود درويش بالمعري تحت سماء البصيرة ويتحد صوتيهما حين يجسد محمود درويش فلسفته بأن البصيرة نور يؤدي إلى العدم أو الجنون ، وكما انكشف الحجاب أمام المعري لقوة بصيرته تخترق بصيرة درويش عالمنا الضيق ويظل على مشارف الموت ويتعرف على عوالمه ومظاهره ، واختيار الشاعر للمعري خصوصاً يكشف عن عدة أبعاد عناها الشاعر من هذا التناص فمحمود درويش يتعالى ويأنف مما يراه حوله من حياة كالحة قبيحة يسلب فيها الإنسان أبسط حقوقه بالأمن والسلام والوطن، فيصبح الراكنون إلى الحياة دون هذه الحقوق عمياناً في نظره وكذا كان المعري الذي ملأ الدنيا بفلسفته ، ولئن كان المعري يطرد نقاداً من قصيدته فبإمكاننا أن نستشف ونقيس على حال المعري أن درويش أيضاً - باعتبار قضيته الوطنية- يمارس أيضاً هذا الطرد ولكنه هنا يطرد أعداءً من أرضه، فكلاهما يشتركان معاً في الرفض وفي نفاذ البصيرة ، وهكذا اتكأ محمود درويش على فلسفة المعري ليعمق دلالاتها في نصه بما يخدم فكرته التي يدعو لها.


4- طرفة بن العبد:

حوار مع الموت ، هكذا كان لقاء درويش بطرفة بن العبد :

" أيها الموت انتظرني خارج الأرض
انتظرني في بلادك ريثما أنهي
حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي
قرب خيمتك ، انتظرني ريثما أنهي
قراءة طرفة بن العبد" (27)



يستمر نص الجدارية في حوار مع الموت والمرء لا يحاور إلا من كان حاضراً ماثلاً أمامه وهكذا كان الموت لمحمود درويش ماثلاً أمامه حتى لنكاد نشتم رائحة ألفة ما في صيغة هذا الحوار والخطاب للموت، هذا الزائر الذي لامفر منه والقدر المحتوم الذي يتربص بالجميع يبلغ اقترابه من نفس الشاعر حد الاعتياد والألفة، وكما مر على طرفة وغيره من قبل وطواهم فإن الشاعر يبدو على أهبة الاستعداد لامتطاء صهوته ، إن محمود درويش في هذه الأسطر يبدو وكأنه يتلو صك الموت ويمسكه بين يديه تماماً كما حدث لطرفة بن العبد حين كان يمسك بيده أمر قتله سائراً إلى حتفه، استلهم درويش هذه الحادثة ببراعة مثيراً مشاعر العظمة والشفقة المتناقضة وفي آن واحد... عظمة السير بخطى ثابتة نحو النهاية، والشفقة على الإقبال على الموت مخدوعاً، كما أن ذكره قراءة طرفة يستحضر إلى الأذهان معلقة طرفة بن العبد التي أكثر فيها من ذكر الموت وندب نفسه، لقد منح الشاعر فكرة الموت في تناصه مع طرفة إيحاءات كبيرة حين ربط بين ذاته وبين ذاك الشاعر الجاهلي بأكثر من رابط وصلة : أولها أن لكل منها معلقة وفي كل معلقة حضور طاغي للموت وعامل مواجهة الموت بثبات، وقد وفق درويش ببراعة في هذا التناص وإذابته في جسد قصيدته بشكل تقاطرت فيه قوافل الموت من أيام طرفة حتى ساعات درويش الأخيرة مع صراعه.



5- لبيد بن أبي ربيعة:

يبلغ اليأس واليقين مداه في مقطع آخر من الجدارية ويتدثر الشاعر بعباءة الحكيم مردداً:

" باطلٌ باطلُ الأباطيل....باطلْ
كل شيء على البسيطة زائــلْ" (28)

ويقرر ثلاثاً بأن كل شيء باطل مضمناً مقولته الحكيمة هذه رائحة الأسلاف الحكماء الذين خبروا الدنيا وأهدونا خلاصة تجاربهم يمثلهم في هذا الموطن لبيد بن أبي ربيعة الذي يرن صدى بيته:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل

فحين يذكر درويش الحكمة في مقطع ما في قصيدته يختمها ببيت لبيد الحكيم على مدى أربعة مرات على مدار القصيدة، فهذا البيت ذو صلة وطيدة بالنص حيث يصب هو الآخر في فكرة الخلود التي يطرحها الشاعر في نصه، وحين يورد هذه الحكمة يعلو الإيمان واليقين المطلق بأن الدنيا فانية مباهجها زائلة وأن كل ما عليها فانٍ فإنه بذلك يشهد ويقر بهذه الحقيقة الأزلية وكأنه يلوذ بإيمانه وبالحكمة خلف بيت لبيد ليواسي نفسه - رغم تماسكه أمام الموت - مردداً خلف لبيد بيته موصلا هذه الحقيقة التي استشعرها بعمق للآخرين.



ب-التناص الأسطوري:

ويعني التناص الأسطوري استحضار الشاعر بعض الأساطير القديمة وتوظيفها في سياقات القصيدة لتعميق رؤية معاصرة يراها الشاعر في القضية التي يطرحها(29)


1- طائر الفينيق:

يقول محمود درويش:

" سأصير يوماً طائراً
وأسل من عدمي
وجودي. كلما احترق الجناحان
اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من الرمــاد" (30)

في غمرة شعوره باليأس وثقل وطأة فكرة الموت عليه تومض الحياة ببريقها اللامع من جديد وينهض الأمل فيؤكد في هذا المقطع بأنه سيصر يوماً ما ما يريد وهو هنا يريد أن يكون طائراً بكل ما يملك الطائر من حرية التجوال والاختيار، إن الشاعر الذي يعاني صراعاً مع الموت والعدم يجد أن هذا الموت قد يكون أحياناً باعثاً للحياة وهو يستلهم هنا أسطورة طائر الفينيق الذي يحترق كل ليلة ويعود يبعث من الرماد طائراً مرة أخرى ويستمد درويش من هذه الأسطورة فكرة التجدد في إشارة حافلة بدلالة الأمل والحياة والإصرار على الوجود فيستل من عدمه وجوده ومن فنائه حياة جديدة وهذا ما منح هذا الاستثمار بعد الخلود والديمومة فهو سيبقى قادراً على إيجاد حياة من العدم وخلق شيء من لا شيء، ويعكس هذا التناص بوضوح عمق الجدل بين فكرة الموت والحياة والفناء والبقاء ولكن الشاعر استطاع أن يوفق بينهما باختياره تلك الأسطورة التي جمعت بين النقيضين.


2- ملحمة جلجامش:

بما أن نص الجدارية يحكي كما ذكر أكثر من مرة فكرة (الموت والحياة) والصراع بينهما، ولأن محمود درويش شاعر صاحب مخيلة خصبة فقد كان لابد من إغواء الأساطير وحضورها وهي التي نسج أغلبها تجسيداً لهذه الفكرة المقرونة بميلاد الحياة ، يقول محمود درويش في مقطع طويل جسد فيه بشكل متواصل ومطول تلك الأسطورة

" كم من الوقت
انقضى منذ اكتشفنا التوأمين : الوقت
والموت الطبيعي المرادف للحياة؟
ولم نزل نحيا كأن الموت يخطئنا،
فنحن القادرين على التذكر قادرون
على التحرر، سائرون على خطى
جلجامش الخضراء من زمن إلى زمن.../
هباء كامل التكوين...
يكسرني الغياب كجرة الماء الصغيرة.
نام أنكيدو ولم ينهض. جناحي نام
ملتفاً بحفنة ريشه الطيني. آلهتي
جماد الريح في أرض الخيال. ذراعي
اليمنى عصا خشبية ، والقلب مهجور
كبئر جف فيها الماء فاتسع الصدى
الوحشي : أنكيدو! خيالي لم يعد
يكفي لأكمل رحلتي واقعياً . هات
أسلحتي ألمعها بملح الدمع ، هات
الدمع ، أنكيدو، ليبكي الميت فينا
الحي ، ما أنا؟ من ينام الآن
أنكيدو؟؟ أنا أم أنت؟"(31)

ويتابع بعد أسطر فيقول :

" لابد لي من حمل هذا اللغز ، أنكيدو، سأحمل عنك
عمرك ، ما استطعت وما استطاعت
قوتي وإرادتي أن تحملانك. فمن
أنا وحدي؟ هباء كامل التكوين .
من حولي" (32)

ويستمر بعد ذلك فيقول:

" أنكيدو ترفق بي وعد من حيث مت، لعلنا
نجد الجواب ، فمن أنا وحدي؟"(33(

ضمن محمود درويش المقطع السابق إشارات كثيرة مباشرة لملحمة جلجامش حيث وظف سعي جلجامش خلف أسرار الحياة وعشبة الخلود في قصيدته خير توظيف ، إذ إن هذه الأسطورة تختصر الكثير مما يود أن يوصله من معاني تشبث الإنسان بكل طمعه وحبه الغريزي للبقاء والحياة، فقد جاب جلجامش المسافات بحثاً عن ذات الهدف الذي يبحث عنه درويش السائر على خطى جلجامش ككل البشر ، كيف لا وقد أدرك الإنسان ثنائية الحياة والموت المترادفتان، ولأن الخطى واحدة كانت النتيجة واحدة وهي أن أضاع الإنسان سر الخلود وهو وهم كبير ويتلاشى في النهاية أمام حقيقة الموت.

ويستفيض الشاعر في دمج تفاصيل هذه الأسطورة ذات العلاقة المباشرة بجوهر الجدارية وذلك حين يعبر عن انكساره وهو المتواري خلف شخصية جلجامش حين ينكسر أمام الغياب... الغياب الأبدي الذي سلبه صديقه أنكيدو ولم يبق ِ له من سمات الحياة والتواصل شيئاَ فقد ذهب أنكيدو ليعانق الموت ويتركه إزاء فلسفة الموت، ويشتبك فضاء الموت والفلسفة والأسطورة في مزيج مذهل ويتصاعد توتر لغة النص حتى تبلغ مداها فيندفع الشاعر بأسلوب التداعي الحر على لسان جلجامش معبراً عن حيرته تارة وعن انكساره تارة أخرى وحيناً يتلبسه الإصرار والثبات، وفي دراسة لقصيدة أخرى لمحمود درويش أشار الدكتور محمد بنيس إلى دلالة الموت في قصائد محمود درويش عامة، إذ غالباً ما ترتبط قضية الموت عنده بعبور الخطر لمواجهة الموت وترتبط أيضاً بتصعيد القلق، ويرى أن محمود درويش يذكر الموت متفاعلاً مع مواجهته حتى النهاية في ظل غياب الله عن العالم فالشاعر وحده هو الذي يواجه الموت (34) وهذا ما نلمسه بوضوح في هذا النص الوارد هنا من الديوان، ويستمر محمود درويش في مخاطبة صديقه الغائب جسداً وهو يتأرجح بين الرفض والقبول لفكرة الموت معلناً في لحظة تحدي أن يحل لغز الموت المحير، ويبدو الشاعر في هذا المقطع مفتوناً بسحر الأساطير ومفعماً بتلك القدرة الخارقة التي تضفيها الأسطورة على أبطالها إلا أن الضعف الإنساني يطغى في النهاية وتنتصر حقيقة هي الموت.


3- زهرة النرجس:

وإن كان ذكر هذه الأسطورة جاء في معرض حديث واسع ولم يكن لها حضور طاغي كسابقتها إلا أن فضيلتها تكمن في إضفائها نوعاً من التوازن لجو الجدارية حيث يقول الشاعر :

" خضراء أرض قصيدتي خضراء
يحملها الغنائيون من زمن إلى زمن كما هي في
خصوبتها
ولي منها : تأمل نرجس في ماء صورته" (35)

فرغم ارتفاع نبرة الأسى والإحساس بدنو النهاية واليأس يوجد بالمقابل إحساس عال بالذات وتميزها وتفردها فالشاعر مزهو بهذا الفعل الإنساني النبيل (الشعر) فهي دلالة زهو وافتخار وشعور بالأمل ووجود حياة تبض في جو تسيطر عليه وحشة الموت ، وإن كان الشاعر هنا يتأمل ذاته من خلال قصيدته الخضراء العالية، فهو بناء على الأسطورة سيلقى حتفه نتيجة هذا التأمل والإعجاب وهذا صحيح إذ أن الموت يحيط بهذا النص من كل جانب لكن استلهام الاسطورة يقدم له بالقابل الخلود كما خلدت زهرة النرجس من قبل صاحبها .



جـ- التناص التاريخي :

يعرف التناص التاريخي بأنه تداخل نصوص تاريخية مختارة ومنتقاة مع النص الأصلي للقصيدة تبدو مناسبة ومنسجمة لدى المؤلف (36) ، والحقيقة أن في نص جدارية الكثير من التناصات التاريخية في جوانب متعددة من النص وبتوظيفات مختلفة ولكن جاء اختيار مقطع واحد يحوي أكثر من إشارة دالة .في جولة جديدة من المواجهة يقول محمود درويش :

" هزمتك يا موت الفنون جميعها.
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين . مسلة المصري. مقبرة الفراعنة،
النقوش على حجارة معبد هزمتك
وانتصرت ، وأفلت من كمائنك
الخلود..." (37)

يتبنى الشاعر موقفاً جديداً مليئاً بالثقة والتحدي ويكيل للموت الهزائم ويتحول الصراع هنا إلى هزيمة ونصر حيث كسب الشاعر جولة ضد الموت تغنى فيها بانتصاراته، وهي انتصارات البشرية انتصار الذاكرة والحضارة والتاريخ وذلك من خلال ذكره للانجازات الإنسانية الخالدة، فالموت رغم تسلطه ومده لنفوذه على البشر إلا أنه يعجز عن ابتلاع الإنجازات القيمة لهولاء البشر ، يعجز أمام اللغة والحضارة والثقافة لأنها خالدة ولأن الإنسان إنما ينتصر بفعله وحضارته وانجازاته لا بـ" الطيني البشري" منه على حد تعبير الشاعر، فبلاد الرافدين منطلق الحضارات الإنسانية قاطبة، والمسلات والمقابر الفرعونية شاهدة على حقبة تاريخية حافلة بالإنجاز لاسيما للعالم العربي ونقوش المعابد بما يرتبط فيها من علم وتأريخ للماضي كلها تقف ببسالة أمام شراسة الموت واندفاعه فهذا التناص التاريخي منح النص بعداً ثقافياً وكان بمثابة لفتة وإشارة تربوية للإنسان العربي خاصة بأنه إنما ينتصر بعلمه وإنجازاته وانطلاقه من هويته الخالدة وتاريخه العظيم.

وهكذا نكون قد عرضنا لظاهرة التناص نشأةً ومفهوماً مع التطبيق على نص شعري برزت فيه ظاهرة التناص بشكل جلي مع الوقوف على بعض دلالات التناص فيها بشكل مبسط ، ولله الحمد .



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


عطية العمري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-2005, 08:41 AM   #7
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar

افتراضي



التناص بين القرآن الكريم والحديث الشريف

بقلم: صبحي إبراهيم الفقي.

[يعد التناص Intrtextulity- إن جاز التعبير- ظاهرة من الظواهر التي اتسم بها النص عامة, ونص الحديث الشريف خاصة؛ فالنص لابد له, بصورة أو بأخرى, أن يتفاعل مع غيره من النصوص؛ قد يكون التفاعل إيجابيًا, وقد يكون سلبيًا, لكنه في نهاية المطاف تفاعل.

وهذا التفاعل الكائن بين النصوص, ليس عبر المكتوب أو المنطوق فقط, لكنه يتعدى ذلك إلى أن يكون النص متناصًا مع حادث اجتماعي أو اقتصادي.. إلخ, فليس مفهوم التناص قائمًا على الصلة بين النصوص المكتوبة أو المنطوقة فحسب. وهذا أمر طبيعي؛ فليس النص إلا صورة محاكية لواقع ما, هذا الواقع قد يكون ماضيًا أو حاضرًا. وقد يكون النص كذلك مناقشًا لآمال يرجى تحقيقها في المستقبل. ومن ثم فالتناص بين النصوص المنطوقة أو المكتوبة, ليس إلا صورة واحدة من صورة متعددة للتناص.

ونظرًا لضرورة تحقق التناص في أي عمل يسمى نصاً؛ فقد رأينا التناص في تراثنا العربي؛ في الشعر والنثر؛ وقد نوقش هذا في قضايا مثل الاقتباس والتضمين، بل قضية السرقات الأدبية ليست- فيما نرى- بعيدة عن هذه الظاهرة؛ فقد يكون بجملة أو عدة جمل, أو بعبارة, أو بفكرة, أو بإشارة ما.

والقرآن الكريم- بوصفه نصًا- يتخلله نمطان من التناص؛ تناص داخلي, وذلك بين عدد من السور مع بعضها البعض؛ فليست السور القرآنية نصوصًا هكذا مرتبة بغير نسق أو مناسبة؛ فقد تتكرر آية بعينها في عدد من السور, أو جزء من آية أو قصة, أو فكرة, أو فاصلة قرآنية.

أما التناص الخارجي؛ فإنه يتضح من خلال مناسبات النزول- على سبيل المثال؛ فالقرآن نزل مناقشًا لعدد من القضايا والمواقف, ومن ثم هناك تفاعل بين النص والواقعة أو المناسبة. وكذلك التفاعل بين القرآن والإنجيل في عدد من الأفكار. بل التفاعل كذلك بين لغة القرآن ولغة العرب؛ فقد نزل بلسان عربي مبين؛ ومن ثم وجد في أسلوب القرآن ظواهر كائنة في لغة العرب, مثل الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والإتساع.. إلخ.

أما التناص في موضوع الدراسة, فهو بين القرآن الكريم والحديث الشريف, ففي الثاني قد يكون مؤكدًا كما في القرآن, أو مفصلاً لما أجمل, أو مشيرًا لما ذكر في النص القرآني... إلخ. باللفظ والمعنى معًا, أو بالمعنى وحده. وبأكثر من آية, أو بآية واحدة, أو بجزء من آية, أو بإشارة إلى آية.

والتناص بينهما أمر بدهي, فالحديث الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ورد عمن لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, والوحي هذا من الله سبحانه وتعالى, والنص القرآني كذلك, ومن ثم فالتفاعل بينهما أمر قائم لا شك فيه.

واللافت للانتباه أن هذا الموضوع لم يدرس من قبل, خاصة في ضوء الدراسات اللغوية المعاصرة, وهذا من أهم أسباب الاتجاه نحو كتابة هذا البحث.

إذن الفرضية الأساسية التي يهدف البحث إلى مناقشتها, أن الحديث الشريف لم يكن- بحال من الأحوال- بمعزل عن النص القرآني, من حيث اللفظ والمعنى معًا, أو بالأخير وحده, على وجه الخصوص أن الحديث يعد مفسرًا للقرآن, فما أجمل في القرآن فصل الحديث, لكن السؤال: كيف تم هذا التناص بين النصين؟ كيف وظفت الآيات في خدمة الحديث, وتعميق دلالته؟ ما المساحة النصية التي شغلها النص القرآني في متن الحديث؟ ما نوع التناص بينهما: توكيد, ترادف, تكميل, تفصيل, مخالفة...إلخ؟ ما محاور التناص المستعملة؟ ما وظيفة الملتقى في اكتشاف هذا التناص؟ ما نمط الإحالة من خلال هذا التناص؟.

والسبب في اختيار مجال التناص لكتابة هذا البحث كذلك, غير الإجابة عن الأسئلة السالفة, هو أن التناص يعد محورًا بارزًا تدور حوله مجالات متعددة في الحياة, فهو كائن بين النصوص بأنواعها وعصرها, وهو كائن بين فكر المبدع وأدائه اللغوي, وهو كائن بين المعنوي والمحسوس, وبين الوقائع الاجتماعية وغيرها والنصوص المعبرة عنها, فالحياة كلها قائمة على محور التفاعل بين العناصر المكونة لها, ومن ثم فدائرة التناص تتسع إلى درجة تجعل مجاله- أي التناص- الحياة كلها.

وطبقًا للتفاعل بين المعنوي والمحسوس, نجد أن الثاني تمثله العلامة اللغوية, والأول تمثله الكفاءة المعبرة عن قدر الفكر الكامن لدى المنتج, وإذا كان علم السيميوطيقا- علم العلامات والإشارات- يقر أن التعريف البسيط للعلامة هو أنها شيء مادي يستدعي إلى الذهن شيئًا معنويًا, فإننا نذهب إلى أن هذا نمط من التناص, اللغة وما تشير إليه من مفاهيم أو وقائع أو أشياء].



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


عطية العمري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-2005, 10:37 PM   #8
معلومات العضو
شاعر
الصورة الرمزية مصطفى بطحيش

افتراضي



أتعلم يا مصطفى أنني لم أرض استعمال هذا المصطلح فيما كتبت سابقا من دراسات نقدية أو أكاديمية ، مع علمي أننا لابد أن نجاري العصر فيما يستحدث من مصطلحات ، رغم أننا لو بحثنا لوجدنا لها ما يناسبها من مصطلحاتنا النقدية التراثية.
شكرا لك يا مصطفى على هذا الموضوع النقدي القيم..
لك خالص محبتي وتقديري

***********
د.سلطان الحريري

تحية لك واشكر لك مرورك الكريم, أثار هذا الموضوع الشاعر دخيل الحارثي على هامش قصيدة

صوفية

التي كانت معارضة لقصيدة العنقاء

سبحة

ولأني لست مختصا بالأدب والنقد ومدارسه فقد دفعني هذا المصطلح للبحث عن مدلولاته على الشبكة العنكبوتية
فوجدت هذه المقالة , ونقلتها لعموم الفائدة
وقد أثرى الأستاذ عطية العمري مشكوراً هذا المبحث النقدي الذي طال فيه الكلام , بما اضاف اليه من رؤى ووجوه أخرى, خاصة منها التناص بين القرآن الكريم والحديث النبوي
اعود لأصل الموضوع , فقد كان لي مع الشاعر احمد حسين احمد جولات مطولة من المعارضات الجميلة الرشيقة
اولاها مجموعة بعنوان :
اعجب العجب صوم النصف من رجب
مخطوطة تحتاج الى مراجعة وتنقيح
كل ذلك يندرج تحت مفهوم التناص , رغم ان النصوص التي احتوتها متنوعة المقاصد والأساليب وهي عادة ما تكون في المعارضات يحاول كل من طرفي الحوار ابراز مقدرته على استيعاب النص والرد عليه وتناول الخطاب بوجوه مختلفة تعطي بعداً وقيمة لأخرى للنص .
ولست ارى في التناص الا قيمة إغنائية للنص وهو من اشتراطات النقاد كمات يقول احمد اللهيب :
يجب على النص «المتناص أن يتماهى في علاقات غير أحادية السمة مع نصوص أخرى، سواءً كانت علاقة تحويل أو علاقة تقاطع أو تبديل أو اختراق»

تحية للدكتور سلطان الحريري
تحية للأستاذ المربي عطية العمري

لكما احترامي وتقديري



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


مصطفى بطحيش غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2005, 09:45 PM   #9
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar

افتراضي



بل الشكر لك أخي الكريم مصطفى على أن طرقت هذا الموضوع
ولو درسنا تراثنا الأدبي والفكري لوجدنا الكثير من القضايا التي تطرح حالياً على أنها قضايا معاصرة وهي في حقيقتها موضوعات طرحها سلفنا الصالح ولكن قد تكون بمسميات أخرى
ويحضرني في هذا المجال مصطلح ( السيميائيات semiotics - semiology) الذي هو أقرب ما يكون إلى ما تناوله أسلافنا تحت مسمى ( علم الدلالة )
كل ذلك بدفعنا إلى دراسة تراثنا دراسة عمبقة ، ودراسة ما يطرح حالياً من قضايا فكرية أو أدبية أو فلسفية . . . إلخ .
دمت بألف خير أخي مصطفى
دمت بألف خير أخي سلطان
ونلتقي دائماً على طاعة الله



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


عطية العمري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-07-2010, 02:31 PM   #10
معلومات العضو
شاعر
الصورة الرمزية مصطفى بطحيش

افتراضي



بمناسبة بعض من يثير الزوابع ليستثمرها بطريقة تعبر عن كينونته وذاته
احببت ان ادفع هذا الموضوع الى الواجهة

وهو موضوع حديث قديم ومن اشهر القصص التي دارت حول هذا الموضوع الحوار الذي دار في مجلس سيف الدولة الحمداني بين المتنبي وخصومه في قصيدته الشهيرة :

واحر قلباه ممن قلبه شبم ومن بجسمي وحالي عنده
ما لي أكتم حبا قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأممُ
إن كان يجمعنا حب لغرتهِ ... فليت أنا بقدر الحب نقتسمُ
قد زرته وسيوف الهند مغمدةٌ ... وقد نظرت إليه والسيوف دمُ
فكان أحسن خلق الله كلهمِ ... وكان أحسن ما في الأحسن الشيمُ
فوت العدو الذي يممته ظفرٌ ... في طيه أسف في طيهِ نعمُ
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا تصنع البهمُ
ألزمت نفسك شيئاً ليس يلزمها ... أن لا تواريهم أرض ولا علمُ
أكلما رمت جيشاً فانثني هربا ... تصرفت بك في آثاره الهممُ
عليك هزمهم في كل معتركٍ ... وما عليك بهم عارٌ إذا انهزموا
أما ترى ظفراً حلواً سوى ظفرٍ ... تصافحت فيه بيض الهند واللممُ
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخاصم وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورمُ
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهِ ... إذا استوت عنده الأنوار والظلمُ
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صممُ
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصمُ

وقد استطاع خصوم المتنبي ان يوغروا صدر سيف الدولة باتهامهم اياه بالسرقة والانتحال ةالاعتداد بالنفس والفحر بها
فضربه بمفتاح كان في يده فشجه
وسأورد ما وقعت عليه يدي من هذه القصة في كتب الأدب
تحية لكم



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ


مصطفى بطحيش غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع




Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
vBulletin Optimisation by vB Optimise.