ملتقى رابطة الواحة الثقافية
ملتقى رابطة الواحة الثقافية
التسجيل مدونات الأعضاء روابط إدارية مشاركات اليوم التعليمـــات البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
Loading...
نرحب بكل حر كريم من أبناء الأمة ينتسب لهذا الصرح الكبير شرط أن يلتزم ضوابط الواحة وأهمها التسجيل باسمه الصريح ***** لن يتم تفعيل أي تسجيل باسم مستعار ولهذا وجب التنويه ***** نوجه عناية الجميع إلى ضرورة الالتزام بعدم نشر أكثر من موضوع واحد في قسم معين يوميا ، وكذلك عدم رفع أكثر من موضوعين لنفس العضو في الصفحة الأولى لأي قسم ***** كما يرجى التفاعل المثمر مع جميع مواضيع الملتقى والتركيز على رقي الطرح وسمو المضامين
سارع بالانتساب للاتحاد العالمي للإبداع
أطلب عضويتك اليوم كلمة د. سمير العمري في انطلاقة الاتحاد حصاد جديد من سنابل الواحة ديوان حب في اليمن عدد جديد من مجلة الواحة الثقافية القطاف الثاني من خمائل الواحة
طفولة بائسة . [ الكاتب : نادية محمد الجابى - المشارك : خلود محمد جمعة - ]       »     الواحة تشاطر الشاعر وليد الرشيد الحراكي الأحزان بفقد و... [ الكاتب : آمال المصري - المشارك : رياض شلال المحمدي - ]       »     خارج التغطية.. [ الكاتب : ريمة الخاني - المشارك : خلود محمد جمعة - ]       »     في وداع شقيقتي [ الكاتب : رياض شلال المحمدي - المشارك : لحسن عسيلة - ]       »     عند مغرب الشمس(قص إفريقى) [ الكاتب : سعاد محمود الامين - المشارك : خلود محمد جمعة - ]       »     دلال المغربي .. ( مقالات ملفقة 29 2 ) [ الكاتب : محمد فتحي المقداد - المشارك : محمد فتحي المقداد - ]       »     طلب اشتراك [ الكاتب : مؤيد حجازي - المشارك : مؤيد حجازي - ]       »     هل ترضين ؟؟؟ [ الكاتب : وليد عارف الرشيد - المشارك : مؤيد حجازي - ]       »     عجائب الذكرى [ الكاتب : الطنطاوي الحسيني - المشارك : خلود محمد جمعة - ]       »     قرب قريتنا ذئب يخفي ظله [ الكاتب : الفرحان بوعزة - المشارك : الفرحان بوعزة - ]       »     ****************************************************************************************************************************************************************************************
العودة   ملتقى رابطة الواحة الثقافية > مِنبَرُ الفِكْرِ وَ الحِوَارِ المَعْرِفِي > الحِوَارُ المَعْرِفِي
إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-09-2007, 09:04 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 نقد العقل العربي ( قضية للنقاش )



أعرض فيما يلي جزءًا من قراءة في كتاب ( نقد العقل العربي ) لمحمد الجابري ، يليها دراسة نقدية للكتاب ، وهي بعنوان ( نقد نقد العقل العربي )
أرجو من الجميع الإدلاء بدلوه في هذا الموضوع لأهميته ( في تصوري )
ولكم جزيل الشكر سلفًا


قراءة في كتاب : نقد العقل العربي
لمحمد عابد الجابري
إعداد : أحمد السيد

بنية العقل العربي
ما هو ( العقل العربي ) ؟؟
يخصص الجابري ثلاثة فصول أولى من كتابه لتحديد ما يقصده بـ( العقل العربي ) ، فهو يستبعد ( العقل الإسلامي ) لأن هناك علماء مسلمين غير عرب لهم نتاج ضخم مكتوب بلغتهم أي من داخل ثقافتهم وعقلهم هم وليس من داخل ( العقل العربي ) الذي تشكل اللغة العربية إحدى أهم أساساته . ويستبعد كتابات المستشرقين عن التراث العربي لأنهم كتبوها وفق مفاهيم وعقل غربي ويصفها بأنها ليست أكثر من "وجهة نظر" غير عربية في الثقافة العربية .
يقصد الجابري بالعقل العربي العقل الذي تشكل داخل الثقافة العربية وبها وطورها وطورته .
العقل هو أداة ذات بنية ( عناصر مركبة ) مثلما الفأس أداة ذات بنية مركبة من خشب وحديد ، ويأخذ العقل أهميته وماهيته من عمله وهو التفكير مثلما الفأس تأخذ أهميتها وماهيتها من عملها وهو القطع .
وكل فأس حتما سبق أن شاركت في صناعتها فأس أخرى وستكون هي عنصرا من ( بنية ) فأس أخرى فكذلك العقل شارك في تكوينه وبنيته عقل سبقه وسيكون هو عنصرا في تكوين عقل لاحق بعده .
فالعقل بهذا المعنى هو مجموعة المفاهيم والتصورات التي تمنحها ثقافة ما لأبنائها في فترة ما وستكون هذه المفاهيم والتصورات تحكم نظرة أبناء الأمة إلى العلم والكون والعالم والله ، وستنتج علوما ومعارف ستكون فيما بعد عنصرا ثابتا في تكوين عقل أجيال لاحقة وهكذا .
العقل يتشكل باستمرار وليس ثابتا . ومن هنا فالجابري بهذا المعنى يريد أن يقول أن العقل العربي يمكن تغييره وتطويره ليستطيع مواصلة دوره ، وهنا أهمية الكتاب .
العقل العربي ذاته يجب أن يتغير .
وحتى نتمكن من تغييره لا بد من الكشف عن أسسه وأصوله منذ أن تكوّن .
فمتى تكون العقل العربي ؟
من العصر الجاهلي أم من ظهور الإسلام أم من العصر الحديث ؟
أين النقطة التي يمكن القول أن عندها بدأ العقل العربي في التكون ؟
يختار الجابري نقطة بداية غير العصر الجاهلي وغير ظهور الإسلام وغير بداية عصر النهضة .
يختار الجابري عصر التدوين ( من منتصف القرن الثاني الهجري إلى منتصف القرن الثالث الهجري ) .
أما لماذا اختار الجابري هذه البداية فسيكون موضع المشاركة القادمة .
" قال الذهبي : في سنة 143 شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريح بمكة ومالك الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن اسحاق المغازي وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي .... وكثر تدوين العلم وتبويبه .. وقبل هذا العصر كان الناس يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة " .
يستخلص الجابري من هذا النص ما يلي :
ـ تحديد فترة بدء التدوين بإشراف الدولة وتحريضها ( أيام الخليفة العباسي المنصور ) .
ـ أن عبارة ( تدوين العلم وتبويبه ) تعني أن العلم كان موجودا وعلى العالِم فقط تدوينه وتصنيفه .
ـ تدوين العلم وتبويبه لا يمكن أن يتم بدون حذف وتعديل وتصحيح وتقديم وتأخير ، بمعنى أن التدوين والتبويب صار عملية إعادة الموروث ليكون تراثا ، ليكون إطارا مرجعيا لنظرة العربي إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ .
إن الحذف والتعديل والتصحيح والتقديم والتأخير ليست من العلم الموجود ولكنها من عمليات ( الرأي ) عمليات العقل العربي .
ـ النص يسكت عمدا عن بدء التدوين لدى الشيعة ( كان هناك تسابق بين الشيعة والسنة في تاريخ بدء تدوينهما لعلميهما ) ، وهو سكوت يفسره مرجعية السلطة التي ينتمي لها صاحب النص وهي السلطة التي تجدد الحقل المعرفي الأيدلوجي لأهل السنة كافة
- السكوت عن ( العلم الشيعي ) كان من الشروط الموضوعية التي حددت وأطرت صحة ( العلم السني ) والعكس صحيح كذلك ..
ـ النص يسكت عمدا عن بدء تدوين ( علم الكلام و علوم الأوائل = الفلسفة ) لأنهما لا يدخلان ضمن ( العلم السني ( .
ــ سكت النص عمدا عن التدوين في ( السياسة ) ككتب ابن المقفع وهو معارض سياسي للسلطة السنية التي قتلته فيما بعد .
وينقل الجابري عن علماء الحديث هذه العبارة :
" قولنا حديث صحيح لا يعني أنه صحيح على وجه القطع ، بل يعني أنه صح على شروطنا ، كما أن قولنا حديث غير صحيح لا يعني الجزم بعدم صحته ، فهو قد يكون صحيحا في الواقع ولكنه لم يصح على شروطنا "
وإذا طبقنا هذا على التفسير والفقه واللغة والتاريخ لأن المشتغلين بهذه العلوم اعتمدوا نفس طريقة أهل الحديث المعتمدة على الرواية والإسناد لأمكن القول : " إن الموروث الثقافي العربي الإسلامي الذي تناقلته الأجيال منذ عصر التدوين ليس صحيحا على وجه القطع ، بل هو صحيح فقط على شروط أهل العلم ، الشروط التي وضعها وخضع لها المحدثون والفقهاء والمفسرون والنحاة الذين عاشوا في عصر التدوين ما بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث للهجرة " .
ويؤكد المؤلف أنه لا يقصد وضع التراث العبي الإسلامي موضع الشك ، وإنما يقصد إلى إبراز أن تلك ( الشروط ) لم تكن جزءا من العلم = المرويات ، بل كانت من عمل الرأي ، أي العقل ، عمله الأول . وبما أنها ما زالت سارية إلى اليوم داخل الثقافة العربية ، على الأقل كنقط استناد رئيسية فهي تشكل الإطار أو القسم الرئيسي والأساسي للإطار المرجعي لفكر العربي منذ عصر التدوين إلى اليوم .
ما الذي تغير منذ أكثر من ألف عام ؟؟؟؟

خاتمة القسم الأول من كتاب ( تكوين العقل العربي )
يلخص الجابري نتائج الفصل الأول بالتأكيد على :
العقل العربي : جملة المفاهيم والفعاليات الذهنية التي تحكم رؤية الإنسان العربي إلى الأشياء وطريقة تعامله معها في إنتاج المعرفة وإعادة إنتاجها .
الإنسان العربي : الفرد الذي تشكل عقله وترعرع وتقولب داخل الثقافة العربية التي شكلت إطاره المرجعي الرئيسي أو الوحيد .
الثقافة العربية : وهي العقل العربي ذاته ( في إنتاجه وفي ممارسة التعلم والتفكير والتعليم ) إنما تشكلت في عصر التدوين ، وما زالت تعيش نفس العقل ، فالزمن الثقافي العربي راكد منذ عصر التدوين إلى اليوم ، ولذلك فالفرد العربي اليوم لا يجد نفسه ولا يشعر بالاستقرار إلا باستغراقه في ذلك الزمن ولانقطاعه له دون أي شعور بالبعد الزمني أو أي شعور بالغربة رغم طول الفترة .
ولأن القسم الأول من الكتاب كان مخصصا لتحديد ما يقصده الجابري ( بالعقل العربي ) فقد ختمه بعبارة موجزة تلخص كل ما سبق وهي : " العقل العربي هو البنية الذهنية الثاوية في الثقافة العربية كما تشكلت في عصر التدوين "

ويعدنا الجابري أنه في الأقسام التالية من الكتاب سيرتفع بتلك العبارة إلى مستوى الحقيقة العلمية عن طريق التحليل الملموس للواقع الملموس . .

وأختم أنا بالتأكيد على أن كل ما تقدم هنا هو لتعريف العقل العربي . أما كيف تكوّن هذا العقل فأسأل الله أن يعينني على عرض بقية أقسام الكتاب .



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

التوقيع

اللهم يا من تعلم السِّرَّ منّا لا تكشف السترَ عنّا وكن معنا حيث كنّا ورضِّنا وارضَ عنّا وعافنا واعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 09:05 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 



نقد نقد العقل العربي
د.عبدالرزاق عيد *
ثمة إنجازات فكرية كبرى يظلمها ضخامة إنجازها، مما يخلف أثرا مهيبا لدى قارئها من مقاربتها لقلق مشروع من عجز أية مقاربة على مطاولة ضخامة البنيان، ومن ثم الخشية من الإساءة إليه اختزالا في مقال عابر، كما حدث أو يمكن أن يحدث مع مشروع فكري بدأه المفكر السوري (جورج طرابيشي) وهو في ذروة نضجه الفكري والمعرفي وهو منذ عقد ونصف، وذلك في موسوعته (نقد نقد العقل العربي) في محاورة المشروع الفكري الموسوعي لمحمد عابد الجابري الذي بدأه منذ الثمانينات تحت عنوان (نقد العقل العربي).
ونحن لا نرى أنفسنا مغالين عندما نطلق على مشروعي الجابري/ طرابيشي صفة الموسوعية، بل ولسنا مغالين إذا ذهبنا إلى القول: إن دارسي تاريخ الفكر العربي الحديث، سيخلصون إلى أن القرن العشرين وسمته ثلاث موسوعات فكرية تتناول التراث الفكري العربي الإسلامي، متمثلة: أولا بموسوعة أحمد أمين الشهيرة عن (فجر وضحى وظهر الإسلام) في أواسط النصف الأول من القرن العشرين، وبموسوعتي محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي في العقدين الاخيرين من القرن العشرين، ومستهل القرن الواحد والعشرين، إذ إن طرابيشي بدأ مشروعه النقدي لمشروع الجابري قبل الشروع في موسوعته، وذلك منذ سنة 1993 عندما أصدر كتابه (مذبحة التراث في الثقافة العربية).
لقد توَجه اليوم بصدور الجزء الرابع (العقل المستقيل في الإسلام) ليحاور السؤال المركزي الذي يخترق مشروع الجابري، وهو سؤال عوامل استقالة العقل العربي: هل هي عوامل خارجية، يمكن تعليقها على مشجب الآخر، أم هي عوامل داخلية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية الإقالة المأساوية لنفسه بنفسه؟! وهو يرد بذلك على ما يعتبره الجابري غزوا خارجيا تمثل باللامعقول الهرمسي والغنوصي، وتصوف وتأويل باطني وفلسفة إشراقية وسائر تيارات الموروث القديم، وهو(طرابيشي) في طريقه لتفكيك أطروحة الجابري، فإنه كان قد غاص في تاريخ فلسفات وأفكار الموروث القديم هذا لفترة تستغرق خمسة عشر عاما قام خلالها في إعادة بناء ثقافته الفلسفية على حد تعبيره، وهو إذ كان يعيد بناء عمارته فإنه كان يعمل على تقويض عمارة الجابري، ليستجلي صدقية هذا الغزو وحقيقته وشكله ومواقع اندفاعاته، وهو في ذلك يطوف بنا في مجاهل ثرة ومدهشة من عوالم فلسفات وأفكار الموروث القديم، يساعده على ذلك عمر من النشاط الكثيف في مجال الترجمة الذي لا يدانيه مترجم عربي في عصرنا، إذ تجاوزت ترجمات الصديق (جورج طرابيشي) المئة من الأمهات، وانصراف مديد (15 سنة) لمصاولة المشروع المختلف (نقد العقل العربي) عبر التعرف على كل مصادره ومراجعه وقراءاته (التراث اليوناني التراث الأوروبي الفلسفي التراث العربي الإسلامي ليس الفلسفي فحسب، بل والكلامي والفقهي واللغوي والبياني، ولعل ما لا يقبل التأجيل في معاورة موسوعة طرابيشي الكبرى، هو اكتشافه لكتاب في الموروث القديم (الفلاحة النبطية) يعود تاريخ تأليفه إلى القرن الثاني بعد الميلاد، وذلك في الجزء الأخير من سلسلته النقدية (العقل المستقيل في الإسلام)، إذ إن هذا الكتاب: (الفلاحة النبطية) اللقيا يتوفر على نسيج من المفاهيم و شبكة من الأفكار تدعو للدهشة، في مدى انطوائها على نظرات وخطرات وتفسيرات وتأويلات تتحلى بدرجة عالية من الراهنية بل والمعاصرة ما يجعلها طليعية حتى في زماننا، حتى نكاد أن لا نصدق أن مصفوفة ثقافية مقمشة من هذا النسيج القديم يمكن أن تنتج منذ تسعة عشر قرنا، ولو أن اكتشاف الأستاذ طرابيشي لهذا الأثر وقع في يد باحث أوروبي لاكتسب هذا الكتاب أهمية عالمية بقوة المركز الأوروبي الإعلامي، ولو ان هذا الكتاب أتيح لماركس أن يطلع عليه في حينه لترك أثرا على هيكلية بنائه لقارته التاريخانية...!
وعلى هذا فقد وجدت أن أعود إلى مشروع جورج طرابيشي منذ بداياته الاولى، لأعرضه وأحاوره في حدود المتاح من الكلام في جريدة أو مجلة، قبل تناول (العقل المستقيل في الإسلام) الجزء (الرابع) الأخير، وذلك بتناول الأجزاء الأربعة، لنخص كل جزء بحلقة دراسية موجزة تعطي لهذا السفر بعضا من حقه على الفكر العربي المعاصر الكسول بل والمذهول وهو يعيش ?اليوم لحظة الانتقال من التنوير إلى التكفير، مما يبدو أن مشروعي الجابري وطرابيشي وكأنهما يأتيان خارج السياق، سياق زمن ثقافي وفكري ينوس بين (القرضاوي والزرقاوي). يحاور طرابيشي في كتابه: الجزء الأول (نظرية العقل) مشروع الجابري في خمسة عناوين، لا يسميها أقساما أو فصولا، بل هي إشكالات أغلقها الجابري بإجاباته، فأراد طرابيشي أن يفتحها من جديد بأسئلته، فبدأ بمناقشة التأصيل النظري الذي يضعه الجابري للعقل، وذلك لأن جزءا من الشهرة التي حازتها كتابات الجابري، في جزء منها تعود إلى توظيفه مفهوم العقل كما هو كذلك (نظرية العقل).
دار الساقي ط2 1999 ص 11 وهنا يشير الباحث إلى أن استخدام مصطلح (العقل) سبق أن استخدمه زكي نجيب محمود 1977، وأحمد موسى سالم الذي رد بكتاب على زكي نجيب محمود سنة 1980، ويربط سبب صعود نجم الجابري من منظور علم اجتماع المعرفة إلى أنه أعاد الاعتبار لمفهوم (العقل والعقلانية) بعد هيمنة الإيديولوجيا (الوعي غير الواعي) بعد هزيمة 1967، وعلى مستوى منظور علم النفس بظاهرة (العصاب الجماعي) الذي لحق بالانتليجنسيا العربية، بعد هزيمة حزيران، ونكوصها للبحث عن أب حام أو أم كلية القدرة ص12.
وكان قد تقصى مظاهرها العصابية المرضية في كتاب صدر له سنة 1991 عن دار الريس تحت عنوان (المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي)، لكن ما يميز الجابري عمن كتبوا من قبله عن العقل العربي حسب طرابيشي هو قوة تأسيسه النظري، أو الابستمولوجي... ودفعه إياه من مستوى اللفظ أو المعنى إلى مستوى المفهوم.
ونحن نجدها مناسبة للتنويه حيث السياق لا يتيح التفصيل إلى أننا أظهرنا أن طه حسين في كتابه (قادة الفكر) الصادر سنة 1925، قد ارتفع بملفوظ (العقل) من مستوى اللفظ والمعنى إلى مستوى المفهوم (بوصفه أداة للتفكير ونظاما مفاهيميا) وذلك في كتاب لنا عن طه حسين (العقل والدين) ص 7884، وكنا قد قمنا بمقارنة بين المفهوم التاريخاني لل(العقل) عند طه حسين، والمفهوم النسقي عند الجابري، وذلك في كتاب لنا عن أزمة التنوير ص92117.
ويخلص طرابيشي إلى أن استعارة الجابري لهذا المفهوم من تمييز لالاند للعقل المكوِّن والعقل المكوَّن، ضمن للفيلسوف الفرنسي الذي أصدر كتابه (العقل والمعايير) سنة 1948 شهرة عربية متأخرة، لكنه مع ذلك يشكك بدرجة استناد الجابري إلى لالاند، إذ يرى أن الجابري استند إلى معجم الفلسفة لفوكييه للتعرف على لالاند، وذلك من خلال المقارنة بين نص الجابري ونص لالاند، ليخلص إلى أن الجابري لم يتعرف إلى نظرية لالاند في مصدرها الأصلي، أي كتاب (العقل والمعايير)، وإذا كان الجابري وفق طرابيشي لم يقرأ النص الأصلي للالاند، فمن باب أولى فإن أي نقد يقوم به الجابري تجاه أفكار لالاند، (لن يثبت بنقده لها سوى المزيد من الجهل بها) ص15. وهو في صدد مناقشة إحالات الجابري إلى كتاب الفكر الوحشي لكلود ليفي شتراوس فإنه يسعى للبرهنة على أن الجابري لم يقرأ شتراوس أيضا، بل اعتمد إلى مصادر ثانية (معجم كوفييه) وعلى هذا فإن (جهل وسذاجة مناقشة الجابري) ليست مقصودة بهدف الإساءة للجابري وإن كان لا يصعب نفيها بل هي تفسر وتعلل أهم ما يريد طرابيشي ان يخلص له في أهم ما خلص له الجابري عند صياغة إشكاليته للعقل في (قسمته لا في وحدته) وذلك عندما (تجاهل) الوظيفة التوحيدية للعقل المكوَّن...فقد قاده ذلك لبناء تحليله للعقل العربي على تشطير هذا العقل تشطيرا ثلاثيا وقطعيا إلى عقل بياني وعرفاني وبرهاني، وبدلا من أن يرد تجليات هذا العقل في مجالات الفقه وعلم الكلام والتصوف والفلسفة إلى البنية العضوية الواحدة التي تصدر عنها... فأدى التشطير إلى إنزال العقل منزلة الجوهر الفرد القائم بذاته والمنغلق على نفسه... ومن ثم قيام حرب مواقع وخنادق بين هذه العقول بل وحتى (تحالفات) قد يعقدها العقل البياني مع العقل العرفاني (الغزالي) أو العقل العرفاني مع العقل البرهاني (ابن سينا) وهذه التحالفات... ليست سوى (اختراقات) تتيح للموروث القديم اللاعقلاني (العرفان = الغنوصية = الهرمسية= الأفلاطونية المحدثة الشرقية) أن تستعيد (المواقع) التي خسرتها بظهور الإسلام ومن ثم انتصار (المعقول الديني).
كل ذلك فوَّت على الجابري حسب طرابيشي فرصة قراءة (وحدوية) وجدلية معا للعقل الإسلامي، وذلك عندما لم ينتبه إلى الوظيفة النقدية للعقل المكِّون بوصفه عقل (استحداث أزمات) على حد تعبير باشلار، أي بوصفه (حركية موجهة) نحو التقدم، لتجاوز العقل المكوَّن الذي ينبغي أن ينتفض ضد ذاته بوصفه (مطلقا)، وإذا كان الجابري في الجزء الأول (تكوين العقل العربي) أخذ (حركية العقل) بعين الاعتبار، لكنه في (بنية العقل العربي) ينتقل من مفهوم نقدي تكويني صيروري إلى مشروع نقد بنيوي ماهوي للعقل العربي.
وتأسيسا على ذلك يعترض طرابيشي على تحقيب الجابري للزمن الميت، زمن العقل المكوَّن، إذ يدرج (لحظة الغزالي) في الزمن الميت، بوصفها جزءا من (عصر الانحطاط)، ومن ثم تمديد هذه الحقبة (الانحطاط) حتى اليوم، مما يترتب على ذلك شطب (عصر النهضة) في (العصر الحديث)، وإذا كان من المفهوم مبررات اعتراض طرابيشي على شطب عصر النهضة، انطلاقا من استشعار راهني لأهمية تضييع الفكر العربي المعاصر لمنجزات الزمن النهضوي، ومن ثم الدعوة إلى ضرورة استئنافه من جديد، في مواجهة الدعوة ذات النكهة السلفية التي يدعو لها الجابري، وهي حاجتنا إلى عصر تدوين جديد كما يدعو الجابري، نقول: إذا كان من المفهوم استيعاب حاجة المفكر النهضوي طرابيشي لاستئناف زمن النهضة الحديث، لكنا لم نفهم ما هي حاجة العقل المكوِّن للمثقف النهضوي، لتمديد حقبة العصر الذهبي حتى القرن السابع الهجري ليضم الغزالي إلى هذه العصور والسؤال هنا يدور حول الوظيفة الايديولوجية للتحليل الابستمولوجي، لأنه من الصعب الاطمئنان لتحقيب طرابيشي الذي يريد إدراج الغزالي في زمن العصر الذهبي، مادام الغزالي نفسه يعلن انسحابه من العالم، من خلال إعلانه الصريح عن عدم حاجة الأمة للعلوم الطبيعية بوصفها علوم دنيا، والدعوة إلى علوم الباطن، علوم المكاشفة بوصفها فرض عين لاقتناص مستقبل الآخرة، هذا رغم أنا لا ننظر بازدراء علموي لانعطافة الغزالي باتجاه التصوف على حساب انصرافه عن الفقه حسب تأنيب ابن القيم، مما كان يؤذن بممكن ثورة دينية أخلاقية!؟
وعلى هذا فقد كان تحليل الجابري للعقل على أساس تشطيره وتجزئته، لا على أساس بناء وحدته، مما أفضى لأن يتأتى تعاطيه مع العقل من موقع سجالي، لا من موقع نقدي، مما قاد إلى نوع من المقارنة بين العقول الثلاثة التفاضلية لا التكافؤية، إذ تبدت هذه العلاقة عن حرب أهلية دائمة، يتخذ لنفسه منها موقفا كطرف دون طرف آخر، فقد انتصر ابستمولوجيا للعقل البرهاني على العقل البياني، بقدر ما انتصر للعقل البياني على العقل العرفاني، وانتصر إيديولوجيا للعقل (السني) على العقل (الشيعي) وانتصر جغرافيا لعقل المغرب على عقل ?أو بالأحرى (لا عقل) المشرق... ! وتحت العنوان الثاني يقدم طرابيشي بحثا مطولا حول: التوظيف المركزي الاثني لنظرية الحضارات الثلاث اليونانية والعربية والأوروبية الحديثة التي وحدها أنتجت ليس فقط العلم، بل أيضا نظريات في العلم، وأنها وحدها التي مارست ليس فقط (التفكير بالعقل) بل أيضا (التفكير في العقل).
فيبدأ تفنيده بالنعي على الجابري أن أطروحته هذه هي من مشاع القول في تاريخ الفلسفة السائد، بل يذهب أبعد من ذلك في (الاتهام) بأنه أخذ هذا التعريف عن كتاب صادر بالفرنسية سنة 1978 لمحمود قاسم عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عن (نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها لدى توما الأكوييني (وعن مصدر ثاني هو كتاب هيغل الرائج (دروس في تاريخ الفلسفة)، ويمضي عبر أكثر من مئة صفحة ليفند هذه الاطروحة، من خلال إطلالة موسوعية على تاريخ الفلسفة ليبرهن على أن للهند تاريخا عظيما في الفلسفة والمنطق لا يقل أهمية عن تاريخ الفلسفة اليونانية، وعلى أن الجابري متأثر بنظرية المركز الاثني الأوروبي في القرن 19، وذلك عندما يحكم بالإعدام على ألفي سنة من تاريخ الفلسفة و المنطلق في الهند، وتراثا متراكما في (التفكير بالعقل) وأن عدم تحول العقل الهندي إلى عقل (كوني) يعود لأسباب تاريخية لا لأسباب ابستمولوجية، وذلك بسبب انتماء الحداثة الأوربية للجذر اليوناني، وبالتالي فإن أوروبا هي التي صنعت (المعجزة اليونانية)..! وبالتوسع ذاته يقوم بتناول تطور مفهوم العقل في الحداثة الأوربية ليمتد حجم البحث على مدى ما يقارب 100 صفحة، مفندا مفهوم العقلانية لدى الجابري القائم على التطابق بين نظام الفكر ونظام الطبيعة، باعتباره مفهوما متقادما، نسفته النظرية النسبية لإنشتين 1905 ومبدأ اللاحتمية الذي قال به هايزنبرغ عام 1928 لكن الاندفاع العلمي والبحثي الخصب والإخلاص المعرفي لروح البحث من قبل الصديق طرابيشي، كان يؤجج حماسه العاطفي تجاه إشكاليته، مما كان ينسيه في بعض الأحايين أنه تجاه مشروع فكري ضخم مميز على مستوى قرن العرب العشرين كما قدمنا، ولو لم يكن كذلك لما تجشم الصديق (طرابيشي ) وجشمنا معه كل هذا الجهد العظيم في مقاربته ومعاورته ومصاولته، فإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك فإنه لا يستقيم معه اتهام صاحبه (الجابري) أكثر من مرة بالسذاجة والجهل بل والرثاثة كما في ص (240). ولنا عودة...

* مفكر وأكاديمي سوري



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 09:06 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 



(موسوعة) نقد نقد العقل العربي إشكاليات العقل العربي 2
د. عبد الرزاق عيد
بعد تناول جورج في الجزء الأول من موسوعته (نقد نقد العقل العربي) أصول نظرية العقل عند الجابري، ومن ثم التوظيف المركزي الإثني لنظرية العقل، ونقده لهجاء الجابري للعقل العربي من خلال وضعه بحالة ضدية مع العقل اليوناني، ومن ثم قيامه ببحث موسع في تطور مفهوم العقل في الحداثة الأوروبية، ليخلص إلى تناول مظاهر الخلط بين العقل والعقلية في مشروع الجابري لنقد العقل العربي.
فإنه في الجزء الثاني (إشكاليات العقل العربي) يتناول ثلاث إشكاليات:
1 إشكالية الإطار المرجعي للعقل العربي (عصر التدوين)
2 إشكالية اللغة والعقل.
3 إشكالية البنية اللاشعورية للعقل العربي.
عصر التدوين:
يستند الجابري في تحديده لفترة عصر التدوين بوصفها تمثل الإطار المرجعي لهذا العقل إلى كتاب (تاريخ الخلفاء) للسيوطي: الذي ينقل عن الذهبي تحديده لهذا العصر بأنه يبدأ سنة ثلاثة وأربعين ومائة للهجرة، إذ صنف ابن جريح في مكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس.
جورج طرابيشي يضع تعبير (عصر التدوين) بين قوسين إشارة إلى عدم اعترافه بشرعية هذا التعبير، ويعلن أنه سيبدأ بالمسكوت عنه في نصه قبل المنطوق به.
يكتفي الباحث بتعليق سريع وعرضي إلى عدم اعترافه بشرعية التعبير، كون تعبير عصر التدوين يختزل في نص الجابري إلى (التبويب) لما هو جاهز، في حين إن العملية انطوت على الإنتاج والبناء والتنظيم للثقافة العربية الإسلامية، وقد تمثلت في الانتقال بالثقافة من طور (شفاهي) إلى طور (كتابي) مما يتطلب تجاوز الذاكرة والتبويب إلى الإنتاج وإعادة الإنتاج الثقافي.
يكتفي الباحث بهذه الملاحظات السريعة رغم أهميتها التي تتطلب وقفة تحليلية خصبة، لينتقل مباشرة لتناول المسكوت عنه:
أولاً سكوت الجابري عن المصدر الذي أخذ منه الفكرة والتسمية، وهو كتاب (ضحى الإسلام) لأحمد أمين الصادر منذ سنة 1934، بل وإلى الشيخ أحمد الإسكندري الذي رفض اعتبار عصر بني أمية هو عصر التدوين، فحصر هذه الصفة بالعصر العباسي الأول، كما أن جولدزيهر في كتابه (دراسات إسلامية) دافع عن فكرة النقلة الفجائية من طور الرواية الشفهية للحديث إلى طور التدوين الكتابي في الفترة الحاسمة الممتدة بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجرية.
ثانياً يسكت الجابري عن المصدر الذي استقى منه نص السيوطي الذهبي، وليس كتاب أحمد أمين فقط الذي لم يكن مع ذلك الوحيد في الأزمنة الحديثة الذي تنبه لأهمية نص السيوطي الذهبي، بل وكتاب شاكر مصطفى في (التاريخ العربي والمؤرخون) الذي يعرفه الجابري ويستشهد به تكراراً (ص16)، ليدخل الأستاذ طرابيشي في محاجة تحقيقية طويلة حول حقيقة اطلاع (الجابري) فعلاً على كتاب (تاريخ الخلفاء) للسيوطي، وهذه (الملاحقة) ستشكل أحد المداخل الأساسية التي يلجها ناقد نقد العقل العربي لمحاكمة الناقد الأول (الجابري) أخلاقياً، عبر الأجزاء الأربعة لسفره، ويبدو أن الأول (الجابري) وضع نفسه في موقع الشبهة بسبب ترخصه المتكرر بعدم توثيق المراجع التي دافعها على الأغلب ليس ادعاء التبحر بالعودة إلى المظان الأولى للمصادر والمراجع فقط، بل نزوع للتعالي على منتجي مشهد الفكر العربي الحديث بمجمله، تجلى هذا النزوع في أكثر ما تجلى في كتابه (نقد الخطاب العربي المعاصر)، حيث يتسفل الجميع إلى الهامش، فلا نجد اسم أي علم من أعلام الفكر والثقافة العربية في القرن العشرين من يستحق أن يحتل شرف فسحة المتن، ولهذا فإن القارئ لقسوة جورج في هذا التعقب والملاحقة، لن يشعر بالتعاطف مع الجابري إذ يكشف ناقده عن عورات أخلاق البحث العلمي الذي من أول شروطه هو الأمانة الوثائقية والتوثيقية في سرد الوقائع، والأمانة تجاه حقوق الآخرين التأليفية، أي رد الأمانات لأصحابها.
المسألة المركزية التي أراد ناقد النقد أن يبرهن عليها، هي التأكيد على الزمن المبكر لعصر التدوين الذي يعود إلى النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، خلافاً لتحديد الجابري الذي يتأخر به حتى منتصف القرن الثاني للهجرة، وأن التدوين الأول المبكر، هو النموذج الأول لكل تدوين لاحق، والذي هو تدوين القرآن (ص59)، لكن ناقد العقل العربي (الجابري) يقفز تماماً فوق الواقعة القرآنية ليجعل من منتصف القرن الثاني إطاراً مرجعياً يتيماً للعقل الذي يتصدى لنقده، عازياً ذلك إلى (التقيّة) أو وفق ما يقدره الجابري في: (أن الوطن العربي في وضعيته الراهنة لا يتحمل ما يمكن أن نعبر عنه بنقد لاهوتي)، مما أدى إلى الزج بواقعة تدوين القرآن، أو (مصحفته) في غيتو اللامفكر به le nonpense أو الممتنع التفكير به l'impensable ليجعل من تدوين الحديث هو البداية المطلقة لعصر التدوين، وفي سبيل أن يفند الأستاذ جورج أطروحة الجابري عن تاريخ عصر التدوين تفنيداً شديداً، فإنه يحدثنا بالاستناد إلى مصادر لا يحددها بأن عدد المصاحف التي رفعها أفراد جيش معاوية على أسنة الرماح في وقعة صفين عام (37 هجرية) بلغ نحواً من خمسمائة!
ولا ندري كيف يمكن أن يركن الباحث إلى مثل هذه الرواية، ولم يمر بعد على جمع القرآن إلا بضع سنين!
هل يمكن لأفراد الجيش في تلك الفترة أن يكون لديهم (500) مصحف، هذا ما عدا ما لدى الناس الآخرين في الأمصار من نسخ في ذلك الزمن؟.. وذلك إذا كانت معظم دور النشر العربية اليوم لا تنشر أكثر من ألف نسخة للكتاب المطبوع في العالم العربي الذي تعداد سكانه (300) مليون نسمة!
هل من الممكن بحق أن نطمئن إلى تحقيب كرونوجي حاسم؛ اعتماداً على كتب في السيرة والأخبار والغزوات لا تفعل سوى أن تكرر بعضها بعضاً في الخطأ والصواب، بل وأن تناقض بعضها بعضاً حد عدم اتفاقها حتى على تاريخ وفاة النبي بين (10) إلى (11) هجرية!
لماذا يسهب صاحب نقد النقد في إيراد الشواهد والنصوص التي تبرهن على وجهة نظره بأن عصر التدوين يعود إلى منتصف القرن الأول؟.. ما هي الدلالة التاريخية المتوخاة في إنتاج الوظيفة المعرفية الراهنية لمثل هذا الإثبات أو النفي؟
يعتبر ناقد النقد أن الجابري تبنى لحسابه خطيئة عصر النهضة بإعلانه عن عدم أزوف ساعة الثورة اللاهوتية وذلك بتبني الأسطورة البعدية لعصر التدوين، ومن ثم إخراج واقعة تدوين القرآن من ترسيمته الإشكالية، مما يترتب على ذلك ضرورة إرجائها إلى أجل غير مسمى، ومن ذلك مطالبته ب(استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي) (ص 69)!
إن جورج طرابيشي الذي يعود له الفضل، فضل الريادة في التصدي لحالة النكوص الفكري العربي، ومن ثم إضراب الإنتلجنسيا العربية عن التفكير، وذلك من خلال تصديه المبكر لجائحة تأثيم وتكفير وتخوين عصر النهضة العربية، إذ كان سباقاً في التصدي لهذه الجائحة بوصفها ظاهرة مرضية بحاجة للعلاج النفسي قبل الفكري!
جورج الذي قام بهذا الجهد الرائد، ها هو يعود من النافذة لا لتجريم فكر النهضة باتهامه له بالجموح وعدم التبيؤ، والهجنة والاستيراد، والغزو الثقافي، بل ليجرمه من خلال اتهامه بالقصور لأنه لم يقم بالثورة اللاهوتية، بل ومن باب الغرائب أن يذهب باحث عربي آخر (برهان غليون) الذي كان من رهط المجرّمين ليجرم فكر النهضة ليس بالغزو الثقافي فحسب، بل والقصور أيضاً كما يفعل ناقد النقد، ووجه هذا القصور بالنسبة لغليون هو أن فكر النهضة العربية لم يهتم بالعلوم الطبيعية والتطبيقية، والتجريبية الصناعية والتقنية!
نحن لم نذكر الفكرة الثانية (غليون) إلا لمباطنتها اللاتاريخية للفكرة الثانية (طرابيشي)، وهي أن الثورة اللاهوتية ما كانت لتتحقق تاريخياً لولا ثورة كوبر نيكوس العلمية، ولذا ليس مصادفة أن يكون تاريخ وفاة كوبر نيكوس (1543) متزامناً مع تاريخ وفاة مارتن لوثر (1546)، حيث إن ثورة اللاهوت لتحرير الرسالة من التاريخ تبدأ مع بداية انبعاث البعد الروحاني في الدين، متمثلاً بتلك الرعشة الروحية التي تفردت بها الصوفية تاريخياً، وهي التي ما كان لها أن تتفتح إلا على هامش الحضور الوضعي المتجهم لعالم فقد لمسة الشعر، وهو المحايث للثورة العلمية في كل الأحوال.
هل من المعقول أن ننتظر من السقف التاريخي لزمن محمد عبده أن ينجز على مستوى حركة الإصلاح الإسلامي ثورة لاهوتية أكثر مما أنجز؟.. وهو المجرّم والمدان بل والمخوّن دينياً ووطنياً بعد قرن!.. هل كان من الممكن للمصلح عبده أن يحدث ثورة لاهوتية في مجتمع ما كان يعرف سوى العلوم الدينية، إذ أن محمد عبده هو أول من أدخل إلى مؤسسته العلمية الوحيدة (الأزهر) تدريس بعض العلوم غير الدينية!
ألسنا مضطرين اليوم للدفاع عن سمعة العلمانية، أن نعود اليوم للكواكبي وطه حسين وعلي عبد الرازق وسلامة موسى وأحمد أمين.. إلخ بعد أن أسقطتها الحركات القومية واليسار الشيوعي من برامجها لاعتبارات سياسوية شعبوية؟ ألم يغدو شعار الثورة المصرية (1919) (الدين لله والوطن للجميع) مذموماً مدحوراً، وهو الذي شكل الأفق الوطني للمرحلة الليبرالية العربية، ألا يشكل اليوم شعاراً مداناً ومرفوضاً من قبل منظومة قيم العقل العربي القائم والمهيمن السائد معبراً عنه بصوت الشيخ يوسف القرضاوي (بابا الإسلام) اليوم، الذي يقود جناحي الأمة (الإسلام والقومية) في المؤتمرات القومية والإسلامية بعد أن ضاعت الحدود بين التيارين، وذلك عندما يفتي بحكم الردة على العلمانيين الذين يرفضون شعار الدولة الدينية والذين لا يزالون مثابرين على تبني شعار البداهة الوطنية (الدين لله والوطن للجميع) بوصف هذا الشعار غريباً عن روح الأمة وإسلامها الذي هو حسب القرضاوي دين ودولة وعبادة وقيادة ورسالة وسيف...!
والبعد السلبي الآخر لتأخير (عصر التدوين) حتى منتصف القرن الثاني يتصل هنا بإشكالية أخرى في منهج الجابري، وهي ما يراه جورج بعدم استيعاب الجابري لإشكالية العقل المكوَن والعقل المكوِِِن التي قادته لوصف عصر التدوين بأنه عصر العقل المكوَن، مما حجب عن الوعي الابستمولوجي إمكانية قراءة جدلية ثنائية الطور للحضارة العربية الإسلامية، في طور عظمتها الأولى المتطابق مع اشتغال العقل المكوِن ما بين القرنين الأول والخامس، وفي طور أفولها وانحطاطها المتطابق مع سيادة العقل المكوَن وقد تبلور ثم تحجر في الحقبة ما بين القرنين السادس والثالث عشر.
هل حقاً أن القرون الخمسة الأُوَل كانت تمثل عصر عقل مكوِن لطور حضاري عظيم؟.. هل عصر التدوين إن كان بدأ من منتصف القرن الأول أو الثاني يمثل طور عقل مكوِن، إذ هو يدون العلوم ويصنفها ويبوبها ضمن وظيفة واحدة، وهي مأسسة المقدس، أي وضع جميع هذه العلوم بتعدد نصوصها النحوية والبلاغية واللغوية والفقهية والكلامية بخدمة النص الأول وتحت تصرفه، أي كلها كانت تطوف حول نواة ابستمية واحدة وهي القرآن، أو كما يعبر الأستاذ طرابيشي (بناء المعقولية القرآنية) الذي يعزو إخفاق المشروع النهضوي الأول منذ نهاية القرن التاسع عشر، لأنه لم يقترن بثورة لاهوتية لإعادة بناء المعقولية القرآنية، ومن ثم الحاجة التنويرية إلى تحرير (الرسالة) من عبء التاريخ؟
الأستاذ جورج قبل خمس صفحات ص (66) يقر بأن قيام الحلف في القرن الثاني بين أهل الحديث وأهل الفقه أدى إلى غلبة التفسير الفقهي للإسلام مما شكل مأزق العالم الإسلامي المعاصر مع الحداثة، فكيف استقام إذاً لناقد نقد العقل العربي أن يأخذ على الجابري وصفه لهذا العصر، أنه عصر عقل مكوَن؟ وكيف لم يتح له أن يعتبر أن هذا القرن الذي لم يفعل سوى تدوين ما يسميه أرسطو ب(الأوندكسا) أي حفظ ما حفظه الناس، وتقييد مقولة قولهم حول النواة الأبستمية الأساسية، (ابستمية الوحي) أنه عقل مكوَن ما دام يقر أن القرنين الأولين شهدا تحالفات شكلت مأزقاً للعالم الإسلامي المعاصر مع الحداثة، وعلى هذا فإن عملية التدوين تعني أن كل شيء كان جاهزاً وأن المهمة كانت منتهية سلفاً، حسب الجابري الذي يبدو أنه كان محقاً في اعتباره لعصر التدوين أنه عصر عقل مكوَن.
وعلى هذا فإن القرن الأول والثاني كان العقل يتكون (نقلياً)، ولم يغدُ عقلاً مكوِناً إلا عندما غدا العقل ذاته موضوعاً للتفكير والتعقل، وذلك بدءا من القرن الثالث ليتوج في القرن الرابع، الذي انتهت إليه كل ثقافات العصر، إذ كانت حضارة الإسلام بوجه عام متصلة بإحياء ثقافات وحضارات متقدمة عليها، وذلك هو تفسير وتعليل محمد عبدالهادي أبوريدة لتسمية القرن الرابع الهجري من قبل آدم متز، بأنه عصر النهضة، إذ يماثل متز دلالة النهضة الإسلامية بعصر النهضة الأوروبية التي قامت على (إحياء الحضارة القديمة)، ليشير إلى أنه في القرن الرابع ظهرت بين المسلمين أفكار ومذاهب وأساليب في الحياة وعادات كانت موجودة قبل الإسلام عند أمم أخرى، ثم عادت إلى الظهور من جديد، هذا من جهة أول أطراف المماثلة مع النهضة الأوروبية، أما الوجه الآخر فهو انحلال دولة الخلافة الكبرى إلى دول صغرى كما حدث للدولة الواحدة التي قام عليها العصر الوسيط في أوروبا عندما نشأت القوميات وتجزأت الدولة الواحدة، ولهذا فقد كان الفصل الأول من كتاب متز، هو تناول المملكة الإسلامية وانحلالها إلى دول في القرن الرابع الهجري الذي يمثل ذروة الازدهار الحضاري والثقافي المتزامن مع بداية الانحلال السياسي: التفتت والتجزئة؟



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 09:08 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 



موسوعة نقد نقد العقل العربي
إشكاليات العقل العربي ( 3 )
د.عبد الرزاق عيد
ما كان يمكن تناول هذا الجزء الثاني من هذه الموسوعة، بدون أن نخص الفصل الثاني من هذا الكتاب (إشكالية اللغة والعقل) بوقفة خاصة، فهذا الفصل يمتد على مدى أكثر من 200 صفحة، تتوفر على كم هائل المصادر والمراجع باللغة الفرنسية والعربية ما يدعو للدهشة والعجب لتنوعها وتعددها، وتعدد مجالاتها ومناحيها وغنى موضوعاتها التي تكشف عن مدى من النزاهة والصدق والتفاني في البحث العلمي الذي يثير الحزن والرثاء لواقع الثقافة العربية الشاحب والكئيب بل والجاحد، إذ كيف يمكن أن تمر أعمال تنطوي على كل هذه الجهود والمثابرة وصبر العلماء بحق، دون أن تتحول الجامعات والمجلات والصحف إلى ورش للنقاش والحوار والسجال، بل إن البؤس كل البؤس أن تكون ردة فعل صاحب مشروع نقد العقل العربي (الجابري)، أنه (دكتور) أعطى العديد من شهادات الدكتوراه، في حين أن ناقده (طرابيشي) لا يحمل شهادة الدكتوراه!
ولن نسف في مثل هذه المماحكات لنقول: إن هذا الفصل عن (إشكالية اللغة والعقل) من هذا الجزء الثاني فيه وحده من الجهد والقيمة العلمية والمعرفية ما لم تتوفر عليه أطروحات دكتوراه ليس للتلامذة الذين منحهم الدكتوراه بل والأساتذة الذين أشرفوا أيضا.
لكن إذا كان الواقع الكئيب للفكر العربي يفسر موضوعيا غياب الاستجابات الضرورية على تحديات مشروع (طرابيشي)، إلا أن المشروع ذاته من جهته يتحمل قسطا من المسؤولية الذاتية في إنتاج عقبات الاستجابة، ويتمثل ذلك بهذا الحشد الهائل من كمية المعلومات والإحالات والمصادر والمراجع التي تضع المتلقي أمام تحدي (الانخراط) في المشروع ذاته، وإلا فإن ملامسته الخارجية تبدو للقارئ المبهور وكأنها غير مجدية، مما يضع المرء أمام سؤال إما أن تشارك أو أن تفارق!
الأمر الذي دفعني أن أنصح بعض الباحثين الشباب أن يخصوا مشروعي (الجابري / طرابيشي) بأطروحات جامعية تتطلب زمنا للبحث تتيح للدارس أن يعود إلى مصادر الاثنين (النقد / ونقد النقد) هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن غرض البحث وإشكاليته الأساسية (نقد النقد) قادت إلى ما كان يسميه طه حسين ب (هدم الهدم)، ومن ثم تفكيك التفكيك، الذي أفقد مشروع الجابري بريقه وقوض عنصر دهشة الاكتشافات التي فاجأ بها الفضاء الثقافي العربي في الربع الأخير من القرن الماضي، مما يبدو أمام القارئ وكأن طرابيشي يعيد للقارئ اطمئنانه إلى ثوابته، إذا لم نقل مرتكزات وثوابت عناصر استشعاره بهويته التاريخية والحضارية بأدوات منهجية حداثية، بل هي على درجة من الثقة بالنفس تريد أن تشكك بكل منجزات عمارة الحداثة التي شيدها الجابري، بل وتدميرها تدميرا، إذ يتصف الحوار بالسجالية القطبية، حيث الأطروحة تستمد مغزاها ودلالتها ليس من تناقضها الجدلي مع الأطروحة الأخرى، لإنتاج تركيب نوعي جديد، بل من خلال الأطروحة التي تصطدم بالأطروحة المضادة لتدميرها تدميرا بل وإبادتها، حيث تبدو الحقيقة وكأنها ليست ثمرة جدل الأطروحتين، بل ينبغي أن تتموضع في أحد الركنين أو في إحدى الجهتين، مما يخلف شعورا بالخيبة والإحباط ممزوجا بنكهة (اللا أدرية) التي تخلف فراغا معرفيا محيرا في داخل المتلقي الذي يستشعر بدوره استلاب الإرادة والعزم في الدخول كشريك في إنتاج النص، وذلك لعدم قدرته على التدخل، وذلك بدل أن فرح الاكتشاف الذي كان الجابري قد منحه لقارئ قد جسد العلاقة معه من خلال خبرة أكاديمية جامعية تدريسية، تقرب البعيد، وتجعل المناهج والمذاهب القديمة والحديثة في متناول اليد، ولعل مأثرة الجابري في مشروعه النقدي أنه أتاح الفلسفة للجميع، بغض النظر عن الاتفاق والاختلاف، فلم تعد النصوص التراثية القديمة الفلسفية والكلامية والفقهية أو حتى مناهج البحث الحداثية، وما بعد الحداثية، من نوع العلوم المضنون بها على غير أهلها.
هذا لا يعني أن المقاربة الأسلوبية للأستاذ (طرابيشي) تميل إلى التجريد أو الغموض والتعقيد، بل إن الرجل على درجة من الخبرة والدربة والممارسة، ترجمة وتأليفا وبحثا ونقدا، عمقت لديه إحساسا بالمسؤولية العالية أخلاقيا تجاه القارئ الخاص والعام، فلا يغادر نقطة غامضة إلا وأشبعها إضاءة، لكن هذه الأخلاقية كثيرا ما قادته إلى نوع من الجدية العلمية والبحثية المتزمتة التي تفقد الكتابة (طزاجتها الفانتازية)، التي تتيح للجابري مثلا شطحا تأويليا يحقق للقارئ إحساسا نقديا طازجا نحو حالة الانحطاط التي يتردى فيها واقعه الحضاري السياسي والثقافي والاجتماعي، فيراها في درجة حضور الميراث القبلي والبدوي في اللاوعي الجمعي العربي، الذي يمكن أن تطربه جملة (الأعرابي صانع العالم العربي) ص (71) هكذا يبدأ الفصل الثاني من الجزء الثاني (إشكالية العقل العربي) هذا النزوع لتنبير المعنى عبر التبئير السردي لمعاورة هذا المعنى، إذا استعرنا لغة السرديات يؤدي إلى إنتاج إيقاع مشوق للمتلقي صادما أفق انتظاره من خلال ما يسمى بالأسلوبيات (الانزياح) عن مألوف النسق التعبيري، وهي استعارة أسلوبية من الجماليات الشعرية والتي تحركها غائية بناء النسق، بغض النظر عن مآلات هذا النزوع الذي كثيرا ما يقود إلى أنساق مغلقة، هذه المزية الأسلوبية التنبيرية ذات الإيحائية الدلالية في كتابة الجابري تستثير الرصانة العقلانية التي لا تخلو من نزعة (محافظة) متشددة في تقشفها البحثي، وذلك في تأبيها على قبول هذه الانزياحات والانتهاكات، ولذا فقد كان مشروع الجابري بكامله حسب عقلانية طرابيشي متهما بالنزعة الهجائية للعقل العربي، رغم أن الجابري ايديولوجيا وسياسيا ينتمي إلى ايديولوجيا قومية كان قد تخطاها المسار الفكري الديناميكي لطرابيشي، وهي ايديولوجيا رغم حداثتها المنهجية في نقدها للعقل القومي العربي التقليدي، لكنها ظلت على الأقل محافظة سياسيا!
ولهذا يحتج طرابيشي على القول: فالعربي (حيوان فصيح) حيث يرى أن المسكوت عنه في هذه الصياغة هو تعريف أرسطو (الإنسان حيوان عاقل) لكن تعبير الجابري ينطوي على مضاربة على الإنسان العربي (حيوان فصيح) وذلك بالضدية مع الإنسان اليوناني الذي هو حيوان عاقل، وهذه الضدية الثنائية النسقية كان قد توقف عندها نقديا مطولا في الفصل الثالث من الجزء الأول (نظرية العقل).
ثم يقوم بمراجعة مطولة ردا على فكرة أن ثمة خاصية انتربولوجية تميز العربي بأنه (يحب لغته إلى درجة التقديس)، وأنه يعتبر كل من لا يتحدث بالعربية ب(الأعاجم) والتي معناها من لا يفصح ولا يبين في كلامه حسب الجابري، ليبرهن ناقده بأن هذه المزاعم ليست وقفا على العربية بل إن هذه النزعة تميز السنسكرتية لغة الثقافة العالمة في كل العالم الهندي الذي لا يزال يتكلم إلى اليوم بأكثر من ألف لغة واسمها بنفسه يعني (اللغة الكاملة)، بل هي تصم كل ما عداها بالبربرية (فرفارا)، وهذه الخاصية (النرجسية والمغايرة) نجدها حسب ناقد النقد حتى في اليونانية التي يتمحور تاريخها الحضاري على جدلية اليونانيين / البرابرة، وهذا المفهوم ورثه الرومان ليصفوا به ما عداهم من الشعوب وليبرروا حقهم الأرستقراطي في استعبادها، وستتضخم الدلالة السالبة للفظ بشكل لاحق، حيث تلتبس معنى (الهمج) عندما أطلق على القبائل الجرمانية الهمجية فعلا التي هاجمت روما وأسقطتها في عام 476 وعملت بها ما عمل المغول ببغداد، ص 77 وعلى هذا فإن صفة العُجمة في السياق العربي لم تكن تنطوي كما يوحي الجابري على هذه الدرجة السالبة بوصف نصاب العجم من الحضارة العريقة الإسلامية كنصاب (الحيوانات العجمى) وترد عليها مقدمة ابن خلدون التي تلصق تهمة (البكم الحضاري) بالعرب دون العجم، رغم نسب ابن خلدون إلى أسرة عربية من جنوب جزيرة العرب، ونقده للبداوة العربية والبربرية ما كان أكثر مهادنة من موقفه من البداوة الشرقية والعربية، فعمران إفريقيا والمغرب كان بدويا، بينما عمران العجم (قرى وأمصار ورساتيق) من بلاد الأندلس والشام ومصر وعراق العجم وأمثالها.
وعلى هذا فإن الجابري وفق طرابيشي ينتج مصادرات أشبه ب(حبائس)، مما يجعل من إغلاق الإشكاليات علامة فارقة ل (الابستمولوجيا) الجابرية، التي يطمح في نقده لها أن يجعلها إشكاليات مفتوحة، متحررة من النزعة الهجائية القائمة على جلد الذات.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 09:09 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 



موسوعة نقد نقد العقل العربي
إشكاليات العقل العربي ( 4 )
د.عبد الرزاق عيد
وتأسيسا على ذلك يبدأ بالتشكيك بمرجعية الجابري لا على مستوى درجة التمثل بل على مستوى التوثيق للشاهد كما مر معنا، حيث يشكك إن كان الجابري قد رجع فعلا إلى كتاب (اللغة والمعرفة) لآدم شاف، وذلك لأن الجابري يقوِّل شاف ما لم يقله، وما لا يمكن منهجيا ومعرفيا أن يقوله كمفكر ماركسي يلتزم بفكرة الوجود الموضوعي للعالم أن يقول: (إن اللغة التي تحدد قدرتنا على الكلام هي نفسها التي تحدد قدرتنا على التفكير)، فواضح أن هذه الأطروحة هي عكس مرام شاف كماركسي ينطلق من نظرية الانعكاس، وهو نفسه الذي يحذر من أن يفهم من قبل أصحاب نظرية الحقل اللغوي وفرضية سابير وورف، كما فهمه الجابري، عندما يستخدم كلمة (تؤثر) محل كلمة (تحدد قدرتنا على التفكير).
وهكذا سيبرهن على أن الجابري لم يعرف هردر إلا عن طريق شاف، وأن القول بأن ليس للإنسان من عالم سوى العالم الذي تقدمه له لغته، هو قول فختوي وليس هردرياً، وفي كل الأحوال فمن الممتنع منطقيا، أن يكون الجابري نصيرا لدعوى تبعية العقل للغته الخاصة، ثم يظل يمارس نقده للعقل العربي باسم العقل الكوني.
يقوم جورج برحلة باهرة في تاريخ علم اللغة من حسن حظ الثقافة العربية ليبرهن أن الجابري لم تتجاوز معارفه لنظريات اللغة هردر وهمبوليت وسابير 1939م أو عند تلميذه في وورف المتوفى 1941م، رغم إعلان الجابري بأنه سيلتزم التصور العلمي في أقصى مراتبه، في حين أنا لن نرى أية إحالة مرجعية للعلماء المعاصرين لا (بنفنست وشومسكي، ولا مارتينه وغاردنر) ولا حتى سوسور أو بلو مفيلد (ص 124) ورغم ذلك فإن الجابري الذي يستند مرجعيا إلى هردر وهمبولت وسابير المقروئين ثلاثتهم بمنظار آدم شاف، فهؤلاء ثمنوا العربية تثمينا عاليا، على عكس النزعة الهجائية التبخيسية التي تحط اللغة العربية إلى مستوى لغة قبيلة بدائية أو اثنية منعزلة كالأسكيمو، وذلك باختزالها إلى مستوى أنها (لغة صحراوية، أي بدوية) فسابير اعتدها مع السنسكريتية والصينية واليونانية واللاتينية والفرنسية واحدة من كبرى (اللغات والينابيع، في العالم)، وهمبولت لم يقارنها مع لغات القبائل الأمريكية الهندية أو لغة الأسكيمو أو أي قوم بدائي آخر، بل مع (اللغة المثالية) التي كانتها في تصوره اللغة السنسكرتية أو اليونانية، أما هردر فقد تحدث عن (معجزة) العربية (الغنية والجميلة) التي خرجت من الصحراء لتقدم بعد (اليونانية) أنبل أداة للفلسفة والعلوم (ص 133) بهذا الروح السجالي يمضي ناقد النقد ليفند أطروحة الجابري حول علاقة (القطيعة) بين جامعي اللغة العربية وواضعي النحو مع (النص) القرآني ليتحداه بأن يأتي بكلمة واحدة من النص القرآني لم يتضمنها (لسان العرب) رغم أن هذا القاموس من صنع ابن منظور (علامة عصر المختصرات والملخصات) وبالإيقاع ذاته يرد على أطروحة (الفقر الحضاري في اللغة العربية الذي يقابله غنى بدوي يتمثل خاصة في المفردات) (فائض في الألفاظ بالنسبة للمعنى) لكن فقط بالنسبة لعالم البدو دون عالم الحضر، يرد على ذلك بأطروحة المستشرقة الرومانية ناديا انغلسكو، بأن النحو ما كان ليولد إلا في الحضارات التي قامت حول نص مقدس (القرآن) أو شبه مقدس (الفيدا) عند الهنود أول حضارة تنتج النحو.
لا شك أن مرافعة طرابيشي تتمتع بكل المواصفات التي تعطيها التماسك والرسوخ وقوة الإقناع، لكن هل كل هذه البراهين المفككة لأطروحة الجابري التي تمنح القارئ العربي المسلم راحة اليقين لثوابت لغته ودينه التي تثبت صلة النحو واللغة بعلوم القرآن، تنفي فكرة الجابري عن الإعرابي مرجع صناعة اللغة العربية؟ ألم ينتج القرآن نفسه لغة هذا الإعرابي الذي كان يتوجه له، ألم يأت بلسان قومه (قرآنا عربيا) محاكيا للغتهم وثقافتهم الأمية، حيث الشريعة أمية حسب الإمام الشاطبي!؟ أليست هي لغة الاعرابي التي أتاح لها الإسلام العسكري والسياسي أن تتفاعل مع الحضارات والثقافات واللغات الأخرى لتتمثلها حضاريا، حيث يكون القرن الرابع الهجري ذروة الإشباع لممكنها الحضاري، إذ بعده لم يعد هناك ثمة اجتراح لأية مأثرة عقلية حضارية عظيمة، إذا استثنينا ابن خلدون، الذي كان في كل الأحوال شاهدا على انحطاطها والراثي الأكبر لزوالها، وابن رشد الذي كان الطريد الأخير لحضارة هرمت ولم تعد قادرة على تحمل شبابه العقلي؟!
ويختم جورج طرابيشي كتابه بفصل أخيرا تحت عنوان (إشكالية البنية اللاشعورية للعقل العربي) حيث يعرض لمجموعة من المفاهيم التي يتداولها خطاب الجابري لينفي صدقية مرجعيتها مثل تعريف (النظام المعرفي في ثقافة ما هو بنيتها اللاشعورية)، يرى جورج أن هذا التعريف الذي يدعي الجابري استيحاءه من فوكو، إنما هو نقيض للدينامية الأبستمية الفوكوية، وذلك عندما يقرأ الجابري تاريخ الثقافة العربية قراءة لا تاريخية، قراءة سكون وركود وموات، بوصفه تاريخ حركة اعتماد لا حركة نقلة، تاريخ (اجترار ثقافي)، ليخلص إلى أن فوكو لم يستخدم تعبير (البنية اللاشعورية) إذ إن هذا التعبير يعود إلى كلود ليفي ستراوس، لكن الجابري يستخدمه بالعكس أيضا، إذ إن مصطلح اللاشعور عند ستراوس يتداول في المجال الأثنولوجي، حيث تناول ثقافات (الشعوب البدائية الثقافة الشفهية)، بينما تاريخ المجتمعات الكتابية يرصدها المؤرخ من خلال التعابير الواعية، في حين أن الجابري أحل ما هو اثنولوجي: (رصد الشروط اللاواعية للحياة الاجتماعية) عند البدائيين، محل الابستمولوجي الذي يرصد تاريخ الوعي للمجتمعات الكتابية، أي (العقل الواعي) للثقافة الإسلامية.
كما أن ناقد النقد سيأخذ على الجابري توظيفه لمفهوم (اللاشعور المعرفي) المنسوبة أبوته إلى جان بياجه، بالمضادة التامة من منظومة الأطروحات التي صنعت الشهرة العالمية لمؤسس السيكولوجيا والابستمولوجيا التكوينتين، ليتهمه بأنه لم يقرأ بياجه قط (297)، بل إن جهله ببياجيه يصفه ب(الفضيحة المعرفية)، وذلك لأن بياجيه لا يرفض فكرة (مفاهيم لا شعورية) فحسب، بل يجعل أيضا من المفاهيم عنوان الفكر الواعي. ص 307
وفي المآل كشف النقاب عن المديونية المفاهيمية الكاذبة للجابري تجاه فوكو وليفي ستراوس وجان بياجيه.
إن الصرامة التي يصطنعها تحليل طرابيشي لعلاقة الجابري بمرجعياته، وتشكيكه بدرجة التزامه بحرفيتها، (حذو النعل على النعل)، تتيح تساؤلا مضادا: ترى أليست انتقائية الجابري هذه وتوفيقيته أو تلفيقيته: أي توليفه بين مفاهيم عدة في خدمة مصفوفته التي يسعى إلى تنضيدها منهجيا ووظيفيا، هي سر موهبة مشروعه وتألقه، بل وما يمكن أن نقول: سر أصالته التي وفرت لمشروعه كل هذا الانتشار والذيوع؟!



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 09:11 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 



نقد نقد العقل العربي ( 5 )
العقل المستقيل في الاسلام: إقالة نفسه بنفسه أم إقالة الخارج؟
د.عبد الرزاق عيد
لعل الجزء الرابع والأخير (العقل المستقيل في الإسلام) من المشروع الموسوعي من سلسلة (نقد نقد العقل العربي) لجورج طرابيشي هو الذي يطرح السؤال الوظيفي الاجرائي الراهني لمشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، وهو السؤال الذي لا يزال العرب يطرحونه على أنفسهم حتى اليوم ليس على المستوى الفكري والثقافي فحسب، بل وعلى المستوى الاقتصادي والتنموي والسياسي إن كان عالمنا العربي الإسلامي متخلفاً بذاته، أم مخلّفاً بالإكراه من خارجه؟!
هل هو (تخلف) تحل اشكالاته برامج التنمية الاقتصادية والتحديث التقني والاداري، أم هو (تأخر) يستدعي السؤال النهضوي الذي هو سؤال جذري متعدد المحاور والمستويات، يبدأ بالسؤال المعرفي الذي يجعل من العقلانية والحداثة والتنوير أسا ضرورياً لأي تحديث تكنولوجي، على اعتبار أن العلوم التطبيقية والتكنولوجية ليست إلا فرعاً تطبيقياً من شجرة حداثة المعرفة التاريخية الأوروبية، هذا السؤال المعرفي ينعطف عليه السؤال السياسي الذي يستدعي بالضرورة أن التطور التقني والتحديث الاقتصادي غير ممكن في بيئة الاستبداد السياسي، وهو يستدعي بالضرورة أيضاً الحداثة السياسية: الديموقراطية والحريات وحقوق الانسان التي تستند إلى مجتمع مدني سياسي حديث منضد أفقياً سوسيولوجيا: طبقات شرائح نوادي، أي مجتمع يتخطى المجتمع الأهلي العمودي حيث روابط الدم والقرابة والعائلة والعشيرة والطائفة.
هذا السؤال المباطن لتاريخ خروج العرب من التاريخ والدخول في التراث، ظل يمارس ندبه الرثائي مع نداء لسان الكون بالخمول والانقباض بلسان ابن خلدون وحتى يومنا هذا والسؤال المطروح لماذا تأخرنا وتقدم الغرب؟
أي تحليل يسعى لمقاربة هذا السؤال لابد له من أن يلامس مسألة علاقة الخارج بالداخل (الأنا/ الآخر) في تعليل حالة الأفول التاريخي الذي آلت إليه الأمة.
وهنا تأتي مساءلة جورج حول مشروع الجابري في التصدي لهذا السؤال الاشكالي، وذلك لأن مشروع الجابري يؤسس مقاصده الراهنة في التصدي لهذا السؤال، من خلال سيادة ثقافة المؤامرة التي تحكم العقل العربي اليوم، أو في سياق مشروع الجابري: نظرية مؤامرة الخارج (حصان طروادة) الذي تسلل إلى ساحة العقل الاسلامي فزعزعه ودفعه إلى الاستقالة، وذلك من خلال اكتساح جحافل اللامعقول العرفاني من هرمسية وغنوصية وتصوف وتأويل باطني وفلسفة اشراقية وسائر تيارات (الموروث القديم) حيث تشكل كل هذه الروافد (حصان طراودة) الآخر، الذي تسلل مستتراً إلى ساحة العقل العربي الإسلامي ليجندله تحت سنابكه ويدخله في حالة من الغيبوبة التي لم يستفق منها حتى اليوم.
وهكذا يبدأ جورج كتابه بفصل مطول يتناول فيه ظاهرة (الابستمولوجيا الجغرافية) حيث عقلانية الغرب ولا معقولية المشرق، في صيغة علاقة اكتساح تبدأ من (حران) التي تقدم مصدراً مشرقياً غنوصياً لتعليل المآل الانحطاطي للثقافة العربية الاسلامية وتحويلها من (معقولها الديني البياني) إلى (اللامعقول العرفاني) بجميع ضروبه من هرمسية وغنوصية وأفلاطونية محدثة بصيغتها المشرقية، وعلى هذا النحو يكون (منبع اللامعقول خارجياً)، وعلى هذا النحو أيضاً تعطي براءة ذمة للعقل العربي الإسلامي، وبذلك فإن تآكل هذا العقل لا يتم من الداخل وجراء تطور عضوي سالب بل من الخارج...) ص 96
ليخلص جورج إلى أن الأساس في الابستمولوجيا الجغرافية الجابرية هي (تغريب العقل وتشريق اللاعقل) ص 99، وحيث عملية التفاعل بين العقلين هو غزو لا عقل الشرق لعقلانية الغرب بهدف دفعها إلى الاقالة من خارج بنيتها العضوية، حيث من (حران) ينطلق اكتساح العرفان، اذ تبدو حران كجزيرة معزولة عن محيطها، وكأنها مقر سري لهيئة أركان اللامعول الذي من سراديبه ستتسلل العناصر اللامنظورة للعرفان المشرقي لتعزز، كما الطابور الخامس، النظام البياني العربي من داخله، وفق الصياغة المجازية المتهكمة لجورج ص 109 الابستمولوجيا الجغرافية:
وهذه الابستمولوجية الجغرافية ستلحق جائحتها اخوان الصفا الذين يعقد لهم جورج فصلاً من أرقى وأعمق ما كتب عن هذه المجموعة التي استعادها لنا طرابيشي من عالم البرزخ العرفاني وملكوت الكواكب الهرمسية، من جغرافيا لا عقلانية الفلسفة المشرقية والمدرسة الحرانية الذين يتهمهم الجابري بزعامتها قبل أن تؤول هذه الزعامة إلى ابن سينا كما كنا قد توقفنا عند الجزء الثالث (وحدة العقل العربي الإسلامي)، وهكذا على مدى ما يقارب 120 صفحة يقوم ناقد النقد ببحث جدي ودؤوب وعميق وراء كل هذه البداهات المتوارثة والمتداولة عن اخوان الصفا، فاختار من بين كل هذه الركامات أن يصطحب أبا حيان التوحيدي أغرب الغرباء في غربته، بعد أن (أشكل الإنسان على الانسان) على حد تعبير التوحيدي، وأبو حيان التوحيدي هو الأقدر على معرفة مأساة الغرباء، فهو القائل: إن أغرب الغرباء من كان عن نفسه غريباً، فترافق غريبا الدرب أبو حيان وجورج طرابيشي بحثا عن رفاق الغربة، ليقوم جورج بعملية فك أسر أو افتداء هذه المجموعة الأريبة من التصنيفات السهلة والساذجة والبسيطة لاكراههم على الاندراج في تصانيف وانساق العادي والمألوف، ومن ثم ليكتشف دون اسقاط باستشفاف داخلي لعين حاذقة ترى بأن الاسلام الفقهي الذي شكله (فقهاء السوء) حسب تعبير الغزالي، يتكلكل فوق صدر لوعة الروح وهو يتطلع شوقاً إلى الانفتاح على الملكوت، ولعل من أوثق الأدلة وألطفها وأكثرها رهافة، ملاحظته، إن خمسمائة من الآيات الستمائة التي يسوّر بها الاخوان رسالتهم الجامعية هي من المكيات.
والحال أن مكيات القرآن تقوم للتشريع الروحي مقام المدنيات للتشريع المدني ص 385 (فالشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء، والأنبياء يطببون المرضى حتى لا يتزايد مرضهم، والفلسفة طب الأصحاء..) على حد تعبير اخوان الصفا.
هذه الخلاصة يصل طرابيشي وهو يفكك الابستمولوجيا الجغرافية المشرقية الغنوصية العرفانية التي يطوق بها الجابري لأخوان الصفا بعد أن استجلا من نصوصهم:
أ رؤية كونية تتحلل من خصوصية أحكام الزمان والمكان داخل الشريعة الواحدة.
ب الانفتاح على الشرائع الأخرى.
ج الانفتاح على جميع أشكال التعددية.
د التأكيد على وحدة الأديان حتى وان اختلفت الشرائع.
هـ معارضة التعصب الاطلاقي النزعة من موقع النسبية المتبادلة وقلب منطق الفرقة الناجية وتكريس شرعية الاختلاف.
هذه الخصائص التي يكتشفها جورج في نصوص اخوان الصفا تخولهم لصياغة نموذج ل (إنسان أعلى كوني) عابر للخصوصيات وجامع لتعدد من الهويات النسبية، ومجسد لمبدأ التنوع في الوحدة الذي كان ولا يزال علاقة فارقة للمذهب الانساني كما عرف ساحة مجده في الثقافة العربية الإسلامية في قرن اخوان الصفا والتوحيدي ومسكويه، وفق ما يخلص له جورج متفقا مع اطروحة محمد أركون عن النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري.
الموروث القديم: الفلاحة النبطية (نوذجا):
اذن استمرارا لسؤال علاقة الداخل بالخارج، الأنا الآخر، ومآل هذه العلاقة على مصائر العقلانية العربية، يقوم جورج بمعاورة سؤال، هل استقالة العقل جاءت بعامل خارجي والذي نعيش اليوم راهنيته ونتائجه بدرجة مؤرقة تفتح الفضاء العقلي والثقافي على سلسلة لا متناهية من الأسئلة عن علاقة الخارجي بالداخلي فيما تشهده المنطقة من زلازل وهزات، يفتح أقواسا للتحديد عن معنى الوطنية والديموقراطية، هل تمكن الواحدة بدون الأخرى، الخصوصية المحلية والعمومية الكونية.
هذا الشاغل الذي كان كامنا وراء الوظائف الاجرائية لنهاجية جورج وهو يدرس ويحلل ويتأمل نصوص اخوان الصفا، ليخلص الى اكتشاف تلك النزعة الانسانوية الكونية التي يمكن أن ترتقي بالروح العربي فوق كل هذا الخراب، هذا الشاغل يكمن وراء تفكيك أطروحة الجابري عن (الموروث القديم / اللاعقل)، وهذا هو مشجب الخارج الذي تسلل إلى ساحة الاسلام ليضعضع المعقول الديني ( البياني) الإسلامي لصالح لا معقول (عرفاني) غنوصي هرمسي دفع العقل الإسلامي إلى الاستقالة. وهنا يعثر جورج على كتاب (الفلاحة النبطية) اللقيا الذي كان الجابري قد وصفه بكتاب سحر وطلمسات لا يدرس النبات لذاته، بل من أجل وظائفه السحرية، وهو أي: (الكتاب) يصدر عن نفس التصور الهرمسي للكون المبني على قيادة التأثير بين النجوم والكائنات الأرضية، وفي مقدمتها النباتات، إنها (الفلاحة التنجيمية) بتعبير فيستوجيير الذي يعتمد على كتابه عن (هرمس مثلث العظمة)، هذا الكتاب كان لقيا حقيقية، وكم كنا نريد أن يقتصر عرضنا لهذا الكتاب الرابع من سلسلة موسوعة طرابيشي عن نقد نقد العقل العربي، بالتوقف عند عرض العرض الذي قام به ناقد النقد لهذا الكتاب (الفلاحة النبطية)، لكن حكاية هذا الكتاب التي يسردها جورج والأسئلة التي يثيرها هذا الكتاب أعقد من أن يفيها أي عرض حقها بدون متابعة تشابكات حكاية وصوله إلينا، من حيث التحقق من هوية المترجم، وزمنه، واختلافات بل وخلافات الدارسين من المستشرقين حول تاريخ تأليفه، وتأويل سياقاته.. الخ.
فمن حسن الحظ أن الجابري قد أوغل بعيدا وهو يضع ترسيمة خطاطته عن العقل العربي في التعويل على مشجب الخارج (الموروث القديم) ودوره في جندلة العقل العربي من على صهوة حصان البيان والبرهان إلى القاع السفلي للعرفان، الذي لا يزال إلى اليوم يزداد تسفيلا!
نقول من حسن الحظ، أن فعل ذلك، وذلك ليحفز نزعة التحدي الكبرى عند جورج لكي يكتشف لنا هذا الأثر الهائل الذي يقول مؤلفه منذ بدايات القرن الميلادي الأول: (اني لا أسلم لاحد شيئا دون أن تقوم عندي الدلالة على صحة ما يقوم في عقلي السليم من التعصب والهوى) ص 219 .
إن من يقرأ هذه الجملة تذكره بالتأسيسات المنهجية الأولى لمقدمة كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين، وهو يشرح منهجه الديكارتية عن أهمية التحرر من أي (تعصب قومي أو هوى ديني) عندما نقارب النصوص.
ولعلها من الاشارت السباقة حتى بالنسبة لفلسفة العصر الوسيط الإسلامية المسيحية، أن يكون قوثامي مؤلف (الفلاحة النبطية) قد توصل إلى فرضية مركزية الدماغ وتسفيهه لفرضية مركزية القلب، ففي الوقت الذي يؤكد فيه على أن (العقل مسكنه الدماغ) ويعيد القول على أنه (لما كان أفضل ما اعطيه الإنسان العقل (لذا) كان العقل من اجزاء بدنه في اعلاه ورأسه ودماغه).
وانطلاقا من ذلك يسخر من اعتقادات العامة بأن القلب هو مركز النفس، ويسخر بلوذعية أكثر من لغة العامة الأمر الذي يصدق على لغتنا نحن أبناء العصر الحاضر حينما يقولون: ( لقد فرّحت قلبي وغممت قلبي، وطرب قلبي وأوجع قلبي (فهم لا يقولون هذا القول إلا: ( لانهم يتوهمون ويظنون أن القلب مكان للطرب والسرور والغم والهم، وليس هذا الظن بصحيح ولا ما توهموه بحق) (ص 233).
ومن الطرافة أن لا يجد طرابيشي في كتاب (الفلاحة النبطية) المؤلف من 1500 صفحة سوى إشارة واحدة لهرمس، وهي اشارة تتصل بباب ( نبات الباقلي) وليس في سياق اية نبوة دينية، وذلك ردا على وصف الجابري لهذا الكتاب بأنه كتاب هرمسي، متابعا في هذه الأطروحة ماسينون في هذا الحكم.
ولعل مأثرة جورج لا تتأتى في اكتشاف هذا الكتاب بوصفه وثيقة، فقد تم اكتشافه من قبل الاستشراق منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر حسب توصيف جورج نفسه، ولا في اظهاره فقد نشره فؤاد سزكين التركي سنة 1984م، ومن ثم كانت الخطوة الثانية ويصفها جورج بالجبارة هو إقدام توفيق فهد على اصداره في جزئين من ألف وخمسمئة صفحة، واستغرق عمله في تحقيقه عشرين سنة، وصدر عن المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق 1993م وجزء الثاني 1995م، والثالث دمشق 1998م.
فمأثرة جورج إذن هي: في هذا العرض الوظيفي الكاشف عن حدوس سوسيولوجية يجدها في أسبقية قوثامي إلى وضع أسس النظرية (عمران ريفي أو عمران الضيعة) أو في صيغة حدوس بقانون التقدم عندما يتحدث الكتاب عن أن المعرفة تتقدم بخط سير زمن نحو المستقبل:( ولعله أن يحدث في الزمان المستقبل قوم يدركون بعقولهم واستخراجهم واستنباطهم أكثر مما أدركنا..) وهنا يلحظ ناقد النقد بأن هذا التصور التقدمي للمستقبل قلب المعادلة المحكومة بالإبستمية القروسطية عن العلاقة بين الأجيال، التي ترى في السيرورة افسادا وانحطاطا وإخلاء السلف الصالح مكانه لخلف طالح، بينما هي عند قوماثي: علاقة تراكمية يزداد فيها علم المتأخرين على علم المتقدمين.. الخ ص (224).
مما يشكل التقاء وتقاطعا مع ترسمية العلم الحديث، بوصفها ترسيمة خطية طردية متقدمة باستمرار، بالضد من ترسيمة العصور الوسطى، بوصفها ترسيمة دائرية مركزها الابستمية اللاهوتية، حيث ارتباط الدائرة بمركزها، التي أقصى حريتها هو توسع الدوائر حول نقطة المركز!
اذن مأثرة طرابيشي ليس في معرفة وجود هذا الكتاب أو نشره أو اصداره بل بادراك قيمته المعرفية تاريخيا وقد كنا قد عبرنا من قبل بأن هذا الكتاب لو أتيح لماركس أن يطلع عليه في حينه لترك اثرا على هيكلية بنائه لقارته التاريخية، من خلال ما يقدمه الكتاب من مادة ثرية عن بنية عمران (الضيعة) العمران الزراعي والريفي وما يتصل بهذا العمران من بنى ذهنية ومعرفية وثقافية: تصورات ثيولوجية وكسمولوجية للجماعة الحضارية.
إن اكتشاف (الفلاحة النبطية) بهذه الصيغة المعرفية التاريخية الثقافية المقارنة يعيد الاعتبار إلى عقلانية الموروث القديم، ويسقط (نظرية المشجب أو حصان طروادة) التي طالما تفننت الايديولوجيا القومية التي ينتمي اليها الجابري في إبراز أشكال (مؤامرات الخارج)، مما يفتح الباب إلى الحداثة النقدية التي تبدأ بالذات للكشف عن المكبوت والمسكوت عنه: عن عمق المأساة الكامنة في بنية عقل كان قدره أن يأكل نفسه بنفسه على طريق إقالة نفسه بنفسه، والبحث في هذا المستوى من الاشكالية يترك جورج الإجابة عليه إلى المجلد الخمس والأخير من نقد نقد العقل العربي.



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 09:14 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 



نقد العقل العربي: من النظرية للمختبر
علي سعد الموسى
أكاد أهم الساعة بإحراق ما في مكتبتي الخاصة من كتب تناولت بالتحليل نقد (العقل العربي) وعلى رأسها ما أفنى فيه محمد عابد الجابري وكذا الأنصاري وابن نبي زهرة أيامهم في هذا المجال. ذاك أنني اكتشفت أن كل الأفكار والأبحاث التي تناولت نقد العقل العربي درست هذا العقل من منظور نظريات أدبية إنشائية أو من زوايا تحليل نفسي واجتماعي وكل هذا السرد التعبيري لن يشخص على الإطلاق أمراض العقل العربي.
اكتشفت ثانياً أن الثلاثي الجابري والأنصاري ـ ومن قبلهما ابن نبي ـ استخدموا كلمة (أمراض) في ثنايا أبحاثهم في أكثر من مكان، بل تواترت هذه الكلمة أحياناً على أوساط صفحات مترادفة أو متقابلة. غير أنني أزعم اليوم أن نقد العقل العربي يجب أن يؤخذ عنوة من أيدي علماء الاجتماع إلى مختبرات علماء الطب والهندسة الوراثية والأحياء وخبراء الهرمونات وأساتذة التشريح وعلم وظائف الأعضاء. العرب باختصار لديهم إما هرمون زائد عن المعيار أو بالعكس ناقص عن المعدل الطبيعي مما يجعل لديهم مرضاً حقيقياً يعالج بالحقن والإبر لا بالأوراق الصفراء والنظريات الفكرية الثنائية.
العرب اليوم يشكلون أزمة كونية حقيقية وانظروا إليهم في شوارع بغداد وبيروت والجزائر ودارفور والصومال وأزقة غزة ورام الله. ومثل حالة الانفصام العدواني، يجنح العربي تلقائياً لحمل السلاح والقنابل في وجه أخيه العربي، وتماماً ومرة أخرى، مثل حالة مريض الانفصام الذي يجنح به خياله للأوهام والتهيؤات يحمل العربي سلاحه ضد الطائفة المقابلة من بني جلدته ويتستر بذرائع المؤامرة والعمالة والتبعية. تماماً كما يبرر مريض الانفصام لحظات انفلاته وغليانه وحين يؤخذ للطبيب النفسي يبرد الأمر بإبرتين تعيدان للعقل توازن الهرمون وترتيب الأعصاب.
العربي اليوم لم يعد خطراً على الآخر، فحسب، بل خطراً جداً على نفسه ومن حوله ولكم أن تتخيلوا مشهد الصورة على صدر ثلاث صحف بالأمس لثلاثة عرب في ثلاث عواصم يحيط بهم الجند وثلاثتهم يحملون على التوالي سكيناً ورشاشاً وعصا غليظة. العرب اليوم بحاجة إلى 300 مليون إبرة علاج



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 09:17 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
قلم فعال

No Avatar
إحصائية العضو
من مواضيع العضو

عطية العمري غير متواجد حالياً

 

 



نقد نقد العقل العربي.. وسط غياب المفاهيم: عمر كوش


2005/01/30
ألا تكفي 15 سنة لانهاء السجال بين طرابيشي والجابري؟
إن كان ثمة طائل من محاولة وضع تحديد معين لـ«العقل العربي»، وتلاوينه المختلفة والمتعددة، وبصفته ماهية محددة أو
مجردة أو خالدة، فمن الممكن تفهم وجود طائل آخر من مشروع «نقد نقد العقل العربي» الذي يقوم به جورج طرابيشي ليرد على مشروع محمد عابد الجابري في «نقد العقل العربي» منذ نحو خمس عشرة سنة، وأثمر أربعة كتب أو مجلدات، آخرها «العقل المستقيل في الإسلام، دار الساقي، 2004» الذي بين يدينا.
لا شك في أن تساؤلات جمّة ستنشأ في سياق النقد ونقد النقد، تخص طبيعة النقد ونقده، وكيفية بزوغ وتشكّل كل منهما، وما إلى ذلك من تساؤلات لا يحدها حدّ. مع أن التاريخ لم يشهد لحظة معينة ولد فيها العقل، عربياً كان أو أوروبياً أو غربياً، فضلاً عن صعوبة الإلمام بدلالات مفهوم العقل، كونه استخدم في مجالات متعددة وفي أشكال مختلفة، ووظف في توظيفات واستثمارات شتى، وخضع لتبدلات وتغيرات كثيرة، إضافة إلى كون مفهوم العقل متعدّد المعايير، يُنظر إليه بحسب الفلسفة التي أنتجت مركّبات دلالاته.
وكنت أتمنى منذ بداية مشروع «نقد نقد العقل العربي» أن يصرف جورج طرابيشي جهده هذا في إنجاز مشروعه الخاص في قراءة التراث العربي الإسلامي، لكنه يرى أن رده على الجابري قدم له نقطة انطلاق لإعادة حفر أو إعادة تأسيس أو إعادة قراءة للتراث العربي، إيماناً منه أن نقد النقد يرسي رؤية بديلة، ويقدم قراءة نقدية وعقلانية مغايرة ومجددة معاً للتراث العربي والإسلامي.
الظاهرة التي يبحثها هذا الكتاب، هي ظاهرة العقل المستقيل في الإسلام، لكنّ طرابيشي يريد من خلالها ردّ الاعتبار إلى عقلانية الموروث القديم، من خلال تصديه لأطروحات الجابري حول هذه الظاهرة، معتبراً أن الجابري تبنى أطروحات مدرسة بعينها من المستشرقين، وأسقط على الإسلام - معتمداً عليها - تاريخ صراع الكنيسة مع الهرمسية الوثنية والغنوصية الهرقوطية والديانات العرفانية، ومع الأفلاطونية المحدثة التي مثلت خط الدفاع الأخير عن العقلانية اليونانية، وعليه فإن الجابري يمارس في ساحة الثقافة العربية الإسلامية ضرباً من استشراق داخلي أسير لمركزية مزدوجة، غربية ومسيحية في الوقت ذاته.
لكن السؤال المطروح هو، هل استقالة العقل في الإسلام جاءت بفعل عامل خارجي، وهي قابلة بالتالي للتعليق على مشجب الغير، أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات داخلية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟
هذا السؤال يعيدنا من جديد إلى علاقة الداخل مع الخارج، التي كُتب عنها وقيل فيها الكثير. فحين يقول الجابري باستقالة العقل في الإسلام، يقول طرابيشي بإقالة العقل في الإسلام، وحين يعتبر الجابري أفول العقلانية اليوناني كان سبباً، فإن طرابيشي يقول بأنها كانت نتيجة، وهكذا ندور في فلك المقولات وعكسها.
اعتبر الجابري أن الموروث من القدماء (اليونان) هو المحدد الثالث للعقل العربي، وهو ينطوي على نظام يعارض «المعقول الديني»، من جهة اعتقاده بأن العقل البشري عاجز عن تحصيل أية معرفة عن البارئ من خلال تدبر الكون، بل يرى أن معرفة الإنسان للكون عليها المرور عبر اتصاله المباشر بالحقيقة العليا. وهذا النظام المعرفي هو «اللامعقول الفعلي»، إنه العقل المستقيل الذي يطلق عليه الجابري اصطلاح «البرهان». لكن أهم ما يميز الموروث القديم أن تياراته متداخلة، وأنه انتقل الى الثقافة العربية على مستويين: المستوى العالم، ويعتمد أساساً الخطاب المنظم المكتوب، والمستوى العامي الذي يعتمد أساسا النقل الشفهي، حيث تكثر الخرافات. ويعزو الجابري محاولات تنصيب العقل المستقيل، عبر إقامة التحالف بين نظامي البرهان والبيان في عصر المأمون، إلى محاولات حماية الدولة العباسية وفكرها الديني، الرسمي بشقيه المعرفي والسني، ولضرب العرفان الشيعي القائم على مبدأ الإمامة. فالمأمون قاد مدرسة ضد العرفان، بتأسيس البيان على البرهان. وكان ابن سينا ممثل المعارضة في ميدان الإيديولوجيا، وأستاذ مدرسة تأسيس العرفان على البرهان. وبحسب الجابري فإن الصراع داخل الثقافة الإسلامية كان بين البيان والعرفان، وكل من نظامي المعرفة هذين يحاول أن يجد له أساسا وسنداً في نظام البرهان.
أما الموقع الذي انطلق منه غزو العقل المستقيل للثقافة العربية الإسلامية فهو «حران»، بحيث يرى طرابيشي أن حران تلعب في الإبستمولوجيا الجغرافية الجابرية دوراً موازياً لدور أفامية، ولكن في الاتجاه المعاكس، فكما أن أفامية تولت تصدير العقل المستقيل إلى الثقافة اليونانية البرهانية، كذلك فإن حران ستتكفل بإعادة استيراده برسم استزراعه في الثقافة العربية البيانية.
يقوم طرابيشي بتفحص تضاريــــــــــس الإبستمولوجيـا المعرفية لدى الجابري، فيجدها تخضع لما يشبه أن يكون جدلية الحضارة والبداوة. وفي ما يتصل بخريطة العقل المستقيل، يمكن التمييز بين الاستقرار الحضري للمنابع ومساقط الرأس، والترحال البدوي للمفاهيم والنظريات. وتعج الإبستمولوجيا الجغرافية الجابرية بتعابير من قبيل: «الاسكندرية موطن الهرمسية» و«أفامية مسقط رأس الأفلاطونية المحدثة، وبالذات المشرقية منها»، و«انطاكية الموطن التقليدي للتيارات الغنوصية الأولى»، و«حران المنبع والمصب معاً لكل تيارات العرفان الصابئي - المندائي - المانوي، فضلاً عن التيار الأفلاطوني المحدث، في صيغته المشرقية دوماً.
ويعتبر طرابيشي أن هذه الثوابت الجغرافية «للعقل المستقيل» تقابلها بداوة عابرة للمكان على صعيد المفاهيم والصيغ النظرية، ذلك أن الجابري يحكم بالتهرمس و«التغونص» والتعرفن على كل فكر يشتبه في أن يكون رأى النور في الإسكندرية أو أفامية أو حران، وعلى كل فكر يتبنى نظرية الفيض وفرضية العقول العشرة. ومن هنا كان تمييزه بين مدرسة خراسان «المشرقية» وبين مدرسة بغداد «المغربية»، وأيضاً تمييزه بين الفلسفة السينوية العرفانية والفلسفة الرشدية البرهانية. ويعزو طرابيشي هيمنة مفاهيم مثل «حران» أو «أفامية» إلى عيب «الحتمية الجغرافية» الذي تعاني منه الإبستمولوجيا الجابرية، ذلك أن الاحتكام إلى مفاهيم وصيغ نظرية شاردة ومفصولة عن سياقها الوظيفي يكشف عن العيب الأساسي الثاني: لا الحكم بالجزء على الجزء، وهو أضعف أنواع الاستدلال طبقاً للتصنيف المنطقي الأرسطي، بل الحكم بالجزء على الكل.
ومن الموروث القديم الذي تسلل منه اللامعقول إلى الثقافة العربية الإسلامية كتاب «الفلاحة القبطية»، حيث يحكم الجابري بناء على ملاحظة ماسينيون بأنه كتاب هرمسي تماماً، من حيث أن الكتاب لا يدرس النبات لذاته، بل من أجل وظائفه السحرية، ويصدر عن التصور الهرمسي نفسه للكون، وهذا مبني على تبادل التأثير بين النجوم والكائنات الأرضية، وفي مقدمتها النباتات.ويعتبر طرابيشي أن كتاب «الفلاحة النبطية» هو فعلاً كتاب في الفلاحة لمؤلف كسداني يدعى «قوماثي»، ويدخل في إطار مشروع ابن وحشية لإخراج التراث النبطي إلى النور، وهو نقل في هذا السياق إلى اللغة العربية عكتباً نبطية أخرى. والكتاب موسوعة في علم الزراعة، مع ما يستتبع هذا العلم من فنون تتصل بالتلقيح والتطعيم والتقليم والتسميد، ومن علوم تتصل بـ«استباط المياه وهندستها»، و«كيفية حفر الآبار» و«تغيير طعم المياه» و«إصلاح الضياع» و«دفع الآفات» و«معرفة العلة في الفساد العارض للنبات». ولا يخلو الكتاب من إشارات، مقتضبة تارة ومطوّلة تارة أخرى، إلى ديانة الكسدانيين القدامى وطقوسهم الوثنية. وتشير نصوص الفلاحة النبطية إلى العلاقة المتوترة بين الكنعانيين والكسدانيين، لكنها لا ترفع إلى مستوى العداء بينهم، وفيه استطرادات تتطرق إلى حكايات السحر والخرافات والاعتقادات الدينية. وفي قسمته المانوية للأفلاطونية المحدثة، اليونانية ثم العربية، إلى مدرسة مغربية عقلانية ومدرسة مشرقية لاعقلانية، لا يتردد الجابري في وضع إخوان الصفا في رأس قائمة المشرقيين الذين أخذوا عن أساتذتهم الحرانيين التقليد الحراني المشرقي، وتبنوا تصوراً للكون يتفق تماماً مع الفلسفة الدينية الحرانية. ويردّ طرابيشي ضراوة حملة الجابري على أخوان الصفا إلى مبرر تكتيكي، كونه يتخذها مقدمة لحملة أشد ضراوة على ابن سينا بصفته مبتكر تلك الفلسفة التي تحمل اسمها بالذات، بدلالته الجغرافية والإبستمولوجية المزدوجة، علامة انتمائها اللاعقلاني: الفلسفة المشرقية. ويتساءل طرابيشي عما إذا كانت رسائل إخوان الصفا تشكل مدونة هرمسية كاملة حسب حكم الجابري، فكيف تمّ تمريرها إلى الثقافة الإسلامية؟ ذلك أن الهرمسية هي فلسفة دينية وثنية، فكيف أمكن هضمها في ثقافة دينية توحيدية مثل الثقافة العربية الإسلامية؟ جواب الجابري هو السمعلة، إذ تغدو الإسماعلية لديه الثوب التنكري الذي تزينت به الهرمسية لتغزو الخاصرة الإسلامية من داخلها!
هكذا، فإن الكتاب لا يخرج عن إطار السجال حول التراث العربي الإسلامي، ويريد فيه طرابيشي، من خلال تصديه لأطروحات الجابري، أن يرد أفول العقلانية العربية الإسلامية إلى أسبابها الداخلية، وإلى آليات ذاتية، غير قابلة للتعليل بأي حصان طروادة إيديولوجي أو إبستمولوجي متسلل من الخارج، وبالتالي لم يخرج السجال عن إطار محاولات البحث عن أسباب وحيثيات الاخفاقات التي مرّ بها الوضع العربي، والذي أفرز حالات من التخلف والتبعية والانهيار والهزائم على مختلف الصعد، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكن الملاحظ في نقد العقل العربي ونقد نقد العقل العربي هو غياب مفهوم واضح ومخصوص لمفاهيم العقل والعقلانية واللاعقلانية وسوى ذلك كثير.

كاتب سوري.
"الحياة"



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 01:23 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
مفكر أديب
عضو الاتحاد العالمي للإبداع
الصورة الرمزية خليل حلاوجي

 



موضوع هام جدا ً وجوهري

نحن حقا ً بحاجة إلى مصارحات ... لعلنا نضع رؤية نهضوية تعين إنساننا وهو يتلمس درب التغالب بين سوانا من الأمم ...

بعد السقوط حاولت أن أكتب عن نقد العقلية العراقية واستعنت بثلاث كتب العابدي ومحمد آركون في نقده العقل المسلم وعلي الوردي في كتابه ( مهزلة العقل البشري ) ، ولا زلت أبحث من أرض الواقع عن سر كل ما يحصل ... ولا زلت أؤكد أن ثمة وباء يخص ويمس ( العقل ) ولن ننجح في معالجة الوباء مالم نضع لقاحات تلاحق منابته ... بعكس المرض الذي قد ننجح في القضاء عليه عندما نصنع له مشافي وأطباء وصيادلة وأدوية وجو معقم من الجراثيم الفكرية ...

أخيرا ً :

ان ما يحصل اليوم هو نتيجة استقرار ( أفكار ميتة ) في جماجمنا تعيقنا عن فهم الحياة ( ينظر في ذلك مالك بن نبي : مشكلات النهضة ) .

لي عودة أستاذنا الفاضل وتقبل بالغ تقديري



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

التوقيع

وأنتَ تتعلمُ كيف تصلي ، تعلم لماذا تصلي

   

رد مع اقتباس
قديم 01-09-2007, 08:27 PM   رقم المشاركة : 10

 



بوركت استاذنا عطية

الموضوع غني

اطلالة ولي عودة



المصدر: ملتقى رابطة الواحة الثقافية - القسم: الحِوَارُ المَعْرِفِي

 

 

 

 

 

التوقيع

تظل جماعات من الأفئدة ترقب صباح الانعتاق,لترسم بسمة الحياة على وجوه استهلكها لون الشحوب و شكلها رسم القطوب ,يعانقها الشوق و يواسيها الأمل.

   

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: نقد العقل العربي ( قضية للنقاش )
الموضوع
قضية تأثر النحو العربي بنحو الأمم الأخرى
قضية للنقاش : هل يجوز للمسلم أن يشارك في حكومة غير إسلامية ؟
محنة العقل العربي
محنة العقل العربي
قضية للنقاش



Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
vBulletin Optimisation by vB Optimise.

HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة